شربل صيّاح

أحزاب لبنان بين اليمين واليسار... الفصل الثاني: الكتائب اللبنانية

6 دقائق للقراءة

 قراءة فكرية في جوهر التجربة اللبنانية

لطالما شكّلت مفاهيم "اليمين" و"اليسار" محور النقاش السياسي والفكري في كل المجتمعات الحديثة. باختصار، يمكن القول إن اليمين يرتبط غالبًا بالتمسك بالهوية التقليدية، والدفاع عن القيم المجتمعية الراسخة، واعتماد سياسات اقتصادية قائمة على السوق الحر والمبادرة الفردية. أما اليسار فيتجسد في الانفتاح على التنوع، والسعي نحو التعددية الاجتماعية والسياسية، وتعزيز العدالة الاقتصادية والاجتماعية، أحيانًا عبر سياسات تدخل الدولة لتوزيع الموارد وحماية الفئات الأضعف.

في سياق لبنان، حيث الأحزاب عادة براغماتية أكثر من كونها أيديولوجية، تصبح هذه التصنيفات أقل وضوحًا.

‏‎ومن هذا المنطلق، يجب التنويه بأن تصنيف الأحزاب اللبنانية ضمن معايير اليمين واليسار الفلسفية الغربية لا يعكس بدقة طبيعة الواقع السياسي في لبنان. فهذه التصنيفات، في سياقنا المحلي، تبقى أدوات جدلية لفتح النقاش وتحفيز التفكير، لا قواعد جامدة لتقييم الواقع. وهنا يكمن دور الكاتب اليوم: ألا يكتفي بوصف الأمور، بل أن يطرح جدلية التفكير المستمر، ويُشجّع القراء على فهم التحولات الاجتماعية والسياسية بشكل نقدي، ليصبح النقاش وسيلة للتطور والوعي، لا مجرد تصنيفات أيديولوجية جامدة.

ليس هذا المقال دفاعًا عن حزب الكتائب اللبنانية، ولا هجومًا عليه.

بل هو محاولة لتفكيك فكرةٍ متجذّرة في الوعي السياسي اللبناني و الغربي : فكرة "اليمين المسيحي"،

التي كثيرًا ما أُلصقت بالكتائب خصوصاً في مرحلة الحرب اللبنانية .

في حين أنّ فكرة "اليمين المسيحي"، في الجوهر، ردّة فعلٍ ظرفية على تحوّلات الهوية الدائمة ، لا مدرسة فكرية مكتملة.

 أولًا: وَهم اليمين المسيحي

نشأت فكرة "اليمين المسيحي" لا في المشرق، بل في الولايات المتحدة الأميركية،

حين تحالفت تيارات إنجيلية محافظة ضدّ صعود الليبرالية الأخلاقية،

مع العلم أنّها لم تكن في أصلها مشروعًا سياسيًا مشتركًا بين بقية الكنائس .

من هنا، فإنّ ما يُسمّى “يمينًا مسيحيًا” ليس له جذورٌ لاهوتية ولا فلسفية،

بل هو مصطلحٌ أيديولوجيٌّ ظرفيٌّ، وُلد من رحم صراعٍ ثقافي، لا من تأمّلٍ في العقيدة ، لأنّ أي تأمّل في العقيدة يتطلّب عريٌ كامل ، لا احتشام مؤسساتي.

أما في لبنان، فقد انتقل التعبير بلا سياقه،

واستُخدم لوصف الكتائب وأحزاب الجبهة اللبنانية،

مع أنّها كانت، في جوهرها، كتلًا كاثوليكية الطابع لا إنجيلية التكوين و لا متطرّفة دينيّاً،

تسعى في ظروف ضيّقة إلى حماية جماعةٍ أكثر مما تسعى إلى تأسيس فكرٍ سياسيٍّ مستدام.

بل إنّ بعض الروايات تشير إلى أنّ مصطلح "اليمين المسيحي"

وُلِد صدفةً في مقهى في شارع الحمرا في بيروت الغربية ،

حين استخدمه أحد الصحافيين ، و كان فلسطينيّاً مسيحيّاً بروتستانتيّاً، لوصف تكتّلٍ مناهض في زمن الحرب،

فانتشر في الإعلام ثم في الوعي العام، من دون أيّ أساسٍ فلسفيٍّ أو عقائديٍّ له.

 ثانيًا: الله، الوطن، العائلة… ثلاثية التّكامل المتناقضة

شعار الكتائب التاريخي "الله، الوطن، العائلة"

هو في ظاهره تعبيرٌ عن الانتماء، وفي جوهره معادلةٌ مستحيلة.

في المبدأ ، ليس لله أي وطن،

والوطن ليس حكراً لعائلة ما، والعائلة كثيرًا ما تنقلب على المصلحة الوطنية العليا .

وعندما يتعارض الإيمان مع المصلحة الوطنية،

أيهما يُقدَّم؟ الإلهيّ أم البشريّ؟

بهذا المعنى، عمليّاً ، ليس كل رجال الكتائب سيختارون الأولويّات بنفس الطريقة ،

و الشعار نفسه يُخفي تناقضًا لاهوتيًا وسياسيًا لا يمكن التوفيق بين أركانه.

وحين يصبح الشعار وسيلة للانتماء لا للفكر،

يتحوّل الحزب من مشروعٍ سياسيٍّ إلى مجموعة منضبطةٍ بالشعارات.

هنا أطرح سؤال للمساءلة: "هل هناك حزب في لبنان لا يتبنّى شعار الله و الوطن و العائلة؟"

 ثالثًا: نشيد العمل… الاشتراكية المقنّعة

في النشيد الرسمي لحزب الكتائب، تتكرّر مقولة :

"شعارُنا العمل!"

وهنا تكمن مفارقة لافتة:

فالحزب الذي يُصنَّف يمينيًا في الوعي اللبناني،

يتبنّى في نشيده الرّسمي ( في تلك الفترة ) وممارساته خطابًا اجتماعيًا شبه اشتراكيٍّ،

يُمجّد قيمة العمل، ويضع العدالة الاجتماعية فوق الامتيازات الطبقية.

و هذا ما يفسّر تركيز بيار الجميّل الجدّ على استلام وزارات إقتصادية - إجتماعية ، فلدى ما للكتائب أن تقدّمه على هذا الصّعيد.

لقد كان بيار الجميّل، من حيث لا يدري،

أقرب في روحه إلى الاشتراكية الاجتماعية الأوروبية

منه إلى الليبرالية اليمينية.

و لا لومَ عليه ، فلا بدّ أن يتأثّر المفكّرون المشرقيّون في تناقضات التيارات الفكرية الغربية.

و هذا ما يشرح اليوم أنّ حتّى في أوروبا ، ما عاد اليمين يميناً و ما عاد اليسار يساراً.

فهو آمن بالعمل الجماعي، وبالتوزيع العادل للموارد،

الكتائب إذًا لم تكن يمينًا اقتصاديًا،

بل حركةً ديمقراطية–اجتماعية ذات نزعةٍ إنسانيةٍ مؤمنة،

تحاول التوفيق بين القيم المسيحانيّة وروح الجمهوريّة الناشئة.

 رابعًا: الزعامة كطقسٍ سياسي

من يشاهد عبر الأرشيف المصوّر دخول بيار الجميّل إلى القاعات الحزبية أو غيرها،

يدرك أن الزعامة في الكتائب كانت طقسًا أكثر منها ممارسة سياسية.

الجميع ينهض، الهتاف واحد، الصمت واحد —

حتّى و في بيت جدّي ، الذّي يسكن الآن في جوار الله، بعيداً عن الوطن، ساهراً على العائلة، كما في كلّ بيت كتائبي في تلك الفترة صورة ضخمة للشيخ بيار الجميّل كما كان يناديه.

تلك المشهدية تذكّرنا بستالين في موسكو، أو كيم جونغ أون في كوريا الشمالية اليوم.

فالزعيم في الكتائب كان صورة الأب والراعي، لا صورة السياسي المؤسساتي.

ومع مرور الوقت، تحوّلت الكاريزما إلى سلطةٍ رمزيةٍ شبه مقدسة،

فصار الحزب، في بنيته، نظام طاعةٍ عائلي مقدّسٍ أكثر منه تنظيمًا ديمقراطيًا مؤسساتيّاً.

 خامسًا: المصالحة الكبرى — هل ممكنة؟

اليوم، ومع تصاعد التلاقي في العالم الغربي بين الكنيسة الكاثوليكية والإنجيلية،

وبروز ما يُسمّى بـ "اليمين المسيحي" كقوةٍ انتخابيةٍ في وجه الإسلام السياسي،

يعود السؤال:

هل يمكن لحزبٍ كاثوليكيّ النّشأة والجذور كحزب الكتائب أن يكون جسرًا لتوحيد الكنيستين؟

هل يمكن أن يكون نموذجًا لمصالحةٍ فكريةٍ

بين الإيمان العقائدي والإيمان الاجتماعي؟

ربما تبدو الفكرة طوباوية، لكن التجربة اللبنانية أثبتت شيئًا:

أنّ اليمين المسيحي ليس “مشروعًا سياسيًا” بل ردّة فعلٍ دائمة.

خاتمة: اليمين الذي لم يُولد بعد

هل يمكن أن يوجد “يمين مسيحي” حقيقيٌّ في لبنان

من دون أن يكون ردّة فعلٍ على خوفٍ طائفيٍّ أو حضاريٍّ؟

ربما لا.

وربما كان ذلك أجمل ما في التجربة الكتائبية:

أنها لم تكن يمينًا ولا يسارًا،

بل كانت مرآةً صادقةً لتناقضات لبنان نفسه.