جواد الصايغ

الشرع في الزيارة "الأخطر" بمسيرته السياسية

4 دقائق للقراءة
السعودية ترعى الانفتاح الأميركي على دمشق (رويترز)

تتجه الأنظار نحو العاصمة الأميركية واشنطن يوم الإثنين المقبل، حيث يستعد الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع لزيارة تاريخية، وقد تستحق وصفها بأنها الأكثر حساسية في مسيرته السياسية حتى الآن، والأكثر ترقبًا في المشهد السوري منذ سنوات. فاللقاء الثالث بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليس مجرّد مناسبة بروتوكولية، بل اختبار سياسي حقيقي لموقع دمشق على خريطة التحالفات الجديدة في المنطقة.

ومنذ اللقاء الأوّل بين الشرع وترامب في الرياض، وصولًا إلى الزيارة المرتقبة، عاشت سوريا أحداثًا دراماتيكية طوال هذه الفترة، فمن تفجير الكنيسة في دمشق، والهجوم الكبير على السويداء، والاشتباكات العنيفة بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية في عدد من أحياء حلب، ومحاولة السيطرة على مخيّم المهاجرين في حارم بإدلب، كلّها محطات جسّدت حجم التحدّيات التي تواجهها الحكومة السورية في سعيها إلى تثبيت السيطرة على الأرض.

هذه الأحداث مجتمعة، رسمت مشهدًا سياسيًا معقدًا جعل من زيارة الشرع إلى واشنطن ضرورة لا يمكن تجاوزها، ولا سيّما مع تصاعد الضغوط الدولية وتراجع هامش المناورة أمام دمشق في ملفات الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية.

ثلاثة ملفات رئيسية تنتظر الشرع في واشنطن. أوّلها يتعلّق بالإعلان رسميًا عن الانضمام إلى التحالف الدولي ضدّ "داعش"، وهو قرار يحمل أبعادًا رمزية وسياسية بالغة. فبعد العملية التي نفذها التحالف في مدينة الضمير، والتي أسفرت عن مقتل قيادي كان يُعتقد أنه ينتمي إلى التنظيم، ليتبيّن لاحقًا أنه على ارتباط غير مباشر بحكومة الشرع، وجد الطرفان، أي دمشق والتحالف، نفسيهما أمام مأزق، فقبل كشف انتماء الشخص المستهدف، علّق المبعوث الأميركي توم برّاك على عملية الاستهداف قائلًا إن "سوريا أصبحت في صفنا"، ولكن مع تكشف معطيات جديدة، برزت أزمة ثقة مع تصاعد الضغوط الداخلية على الشرع، خصوصًا من طرف العشائر التي ينتمي إليها القتيل. هذه الأمور أوصلت إلى نتيجة واحدة، مفادها ضرورة تثبيت النظام الحالي في دمشق موقفه بشكل رسمي داخل التحالف الدولي، وعدم الاكتفاء بالمشاركة والمؤازرة من الخلف.

الملف الثاني الذي ينتظر الرئيس الانتقالي يتعلّق برفع "قانون قيصر" من دون قيود مشروطة. أمّا الثالث، فيتعلّق بالاتفاقية الأمنية مع إسرائيل، التي كان من المتوقع أن تبصر النور خلال زيارة الشرع إلى نيويورك في أيلول الماضي، ولكنها جُمّدت بسبب الإصرار الإسرائيلي على فتح ممرّ برّي إلى محافظة السويداء.

في الكواليس، يربط خبراء في واشنطن ملف رفع العقوبات بشكل كامل بتوقيع الاتفاقية الأمنية، بحيث يعتبرون أن إتمام هذه الصيغة يعد نصرًا ثلاثيًا. فسوريا من جهة، ستتمكّن من التخلّص من أثقال "قانون قيصر". وإسرائيل ستتمكّن من مواصلة فرض أجندتها الجديدة منذ 7 أكتوبر والمتعلّقة بالدفاع عن الأمن القومي من الخارج. كما سيتمكّن الرئيس ترامب من تحقيق نجاح جديد يتمثل بإنهاء التوتر بين دولتين مهمّتين في الشرق الأوسط تمهيدًا للبدء بمحادثات سلام وتطبيع.

وفي ما يتعلّق ببند رفع "قانون قيصر"، يأمل أنصار الشرع في أن يتمكّنوا من جمع رئيسهم برئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب براين ماست، الذي لا يزال يتحدّث عن هواجس معيّنة ترتبط بمعظمها بحماية الأقليات، بحيث أن أحداث تموز في السويداء أثرت بشكل سلبي على التقدّم السوري في هذا السياق.

ولكن مع الحديث عن تقدّم المفاوضات بخصوص الاتفاقية الأمنية، فإن رفع عقوبات "قيصر" لن يكون بعيد المنال. وبحسب المعلومات، فإن الاتفاق الأمني قد يعطي إدارة ذاتية للسويداء بشكل رسمي، ونزع السلاح الثقيل من درعا والمناطق التي يسيطر عليها الشرع في القنيطرة ومساحة معيّنة في جنوب دمشق، ما يعني الاكتفاء بالوجود الأمني وعلى نحو أدق جهاز الأمن الداخلي السوري. أمّا بخصوص الممرّ، فإسرائيل جوّيًا قادرة على إيصال ما تريد، وبرّيًا يتمحور الحديث حول ممرّ رسمي يتولّى النظام السوري حمايته ويكون بمثابة مبادرة أو خطوة إيجابية نحو السلام المنشود.

في قراءة أوسع، تبدو زيارة الشرع إلى واشنطن، نقطة انعطاف في مسار السياسة السورية. فهي تجمع بين التوازنات الإقليمية والدولية والفرص الممكنة، بين الرغبة في الانفتاح وحسابات الأمن والاقتصاد. ويبقى السؤال الكبير حول قدرة الشرع على السيطرة على شارعه المؤيّد والإمساك بزمام أموره، فالتحالف مع الغرب ضدّ "داعش" يختلف كثيرًا عن محاربة التنظيم بشكل مباشر كما حدث خلال الحرب الأهلية السورية، لأن الفتاوى والاجتهادات تلعب هنا دورًا رئيسيًا، فضلًا عن أن القبول بالشروط الإسرائيلية من أجل التوصل إلى اتفاقية أمنية لرفع العقوبات، قد تثقل كاهله أكثر فأكثر.