أنطونيو فرحات

الانتشار بأقلامنا ودستورية تعديل قانون الانتخاب

4 دقائق للقراءة

يتجلّى عند كلّ استحقاق أو موقف سياسيّ مدى الشرخ أو الانقسام العمودي بين الفرقاء السياسيين في البلد، حتى عندما تكون الأمور جليّة وواضحة يسعى من له مصلحة إلى تحريف مضمون ما هو منصوص عليه قانونًا إلى معنى آخر، فيجلب بفعلته تلك ردود فعل ومناوشات كلامية قد يكون البلد بغنى عنها.

آخر فصول فن التحريف المشار إليه آنفًا هو الادّعاء بعدم إمكانية تعديل قانون الانتخابات، وبأن الحكومة تملك صلاحية تطبيق القانون الحالي. قد لا يختلف اثنان على أن ما تمّ التطرّق إليه لهذه الناحية لا يتعدّى كونه كلامًا سياسيًا لا دستوريًا أو قانونيًا. لا سيّما أن قانون الانتخاب رقم 44/2017 أجاز بالمادة 124 منه لمجلس الوزراء تحديد دقائق تطبيق هذا القانون بمراسيم تتخذ بأكثرية ثلثي أعضاء المجلس بناءً على اقتراح وزير الداخلية والبلديات.

وفي ظلّ الانقسام الحادّ الموجود بين الفرقاء السياسيين حول وجوب تعديل حق المغتربين بالتصويت في مكان قيدهم وإلغاء الدائرة السادسة عشرة وبين أنه يحق للحكومة أن تصدر مراسيم لسدّ الثغرات القانونية واللوجستية لتطبيق القانون، تتبدّى مجموعة مسائل تمنع السير بالقانون الحالي، أبرزها أن المراسيم بحاجة إلى ثلثي مجلس الوزراء، الأمر غير المتوفر وإذا لم يتمّ إصدار تلك المراسيم، فستكون الحكومة أمام مأزق عدم إجراء الانتخابات وفق القانون بصيغته الحالية لاستحالة تطبيقه.

غير أنه إزاء هذا الواقع يحق لمجلس الوزراء أن يقترح تعديل القانون ويرسله إلى المجلس النيابي على ألا ينشر بحسب المادة 18 من الدستور ما لم يقرّه الأخير. ما يفيد أنه يحق لمجلس الوزراء إرسال مشروع قانون يطلب فيه تعديل أو إلغاء بعض مواد قانون الانتخابات النافذ.

وفي حال أرسل مشروع القانون متسمًا بصفة العجلة، يتوجّب على رئيس مجلس النواب إدراجه في أوّل جلسة عامة على أن تتمّ تلاوته فيها، عندها يعود للمجلس أن يقرّه ضمن مهلة 40 يومًا. وإذا لم يقرّه ضمن المهلة المذكورة، يعود لرئيس الجمهورية بحسب نص المادة 58 من الدستور أن يصدر مرسومًا قاضيًا بتنفيذه بعد موافقة مجلس الوزراء.

لكن هنا أيضًا، تبرز إشكالية أخرى، إذ يرى البعض أن مهلة الـ 40 يومًا لا تسري إلّا بعد إدراج رئيس مجلس النواب مشروع القانون في جلسة عامّة. ويرى البعض الآخر أن مجرّد طرح المشروع على المجلس بغضّ النظر عن إدراجه من عدمه أو حتى إذا انتهى من المناقشة به من عدمه، فإن مهلة الـ 40 يومًا تسري حكمًا، ويعزو رأي هؤلاء إلى أن الدستور واضح لناحية ذكره بعد مضيّ 40 يومًا من طرحه على المجلس، وبالتالي إن امتناع رئيس المجلس عن إدراج المشروع في جلسة عامة يعتبر تجاوزًا للصلاحيات المنصوص عنها بالنظام الداخلي وتعدّيًا على أحكام المادة 58 من الدستور.

أكثر استفاضة، إن الصلاحية الممنوحة بالمادة 109 من النظام الداخلي لمجلس النواب هي صلاحية تنظيم لا تعطيل وهي بالتالي لا تمنح رئيس المجلس حق استبعاد مشروع قانون يفرض الدستور إدراجه وجوبًا، فالمادة 58 من الدستور هي إلزام دستوريّ تقيّد هذه الصلاحية في حالة محدّدة.

بناءً على ما تقدّم، لا يجوز للرئيس نبيه بري إقفال باب المجلس أمام إرادة الشعب لأنها تخالفه رأيه أو مصلحته الفئوية، لا سيّما أن من يقرر في المجلس عن الشعب هو أغلبية الهيئة العامة وليس شخص رئيس المجلس منفردًا خاصةً أننا في دولة تحكمها المؤسّسات لا الإرادات الفردية.

فهل ستقوم الحكومة بواجبها وترسل مشروع القانون بصفة معجّلة لتنقذ الاستحقاق الانتخابي كي يجري بموعده، وكي تؤمّن بالوقت نفسه مخرجًا لرئيس الجمهورية في حال ظلّ الرئيس بري متمنعًا عن طرح قانون الانتخابات للمناقشة في الهيئة العامة؟