جملة من المغالطات ضمّنها حزب الله في كتابه "المفتوح" إلى الرؤساء عون وبري وسلام بتاريخ السادس من تشرين الثاني 2025، أي عشيّة العام الأول على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.
أوّلاً، ليست توجّهات الدولة اللبنانية التفاوضية مع إسرائيل، أكانت مباشرة أو غير مباشرة، هي التي تنطوي على مآرب تخدم أهداف إسرائيل، بل مواصلة حزب الله تفرّده بقرار الحرب والسلم والامساك بالسلاح خارج الشرعية، وتمنّعه عن تطبيق الدستور والنصوص المرجعية الدولية والمحلية، هو الذي يخدم مصالح كلّ أعداء الدولة الفعلية في لبنان، ولو لم يقم "الحزب" بفتح جبهة اسناد لما كنّا بحاجة بالأساس إلى تفاوض لا اليوم ولا الأمس، بغض النظر عن جدواه.
ثانياً، غير صحيح أنّ اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، يحصر منطقة العمل في جنوب نهر الليطاني، ففي مقدّمته ينص على "نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان، بحيث تكون القوات الوحيدة المخوّلة بحمل السلاح هي القوات المسلحة اللبنانية"، وقد عدّدها. كما يؤكّد في البند السادس من القرار على تنفيذ كل القرارات الدولية السابقة "منعاً لتشكيل أو تسليح الجماعات المسلحة غير الحكومية في لبنان"، وينصّ في البند السابع، على أنّه يتمّ "بدءًا من منطقة جنوب الليطاني، تفكيك جميع المنشآت غير المصرح بها المستخدمة لإنتاج الأسلحة... وتفكيك جميع البنى التحتية والمواقع العسكرية"، وتأتي كلمة بدءًا، التصاقًا بمقدمة البند السابع حول القرار 1701، حيث تنطلق عملية نزع السلاح وتفكيك كل البنى ذات الصلة لتطال كل التراب اللبناني، وقد نصّ القرار 1701 في البند الثالث منه على "بسط سيطرة حكومة لبنان على جميع الأراضي اللبنانية وفق أحكام القرار 1559 و1680، والأحكام ذات الصلة من اتفاق الطائف".
ثالثاً، إنّ الاعتداد، في الكتاب نفسه، بما سُمّي "وقائع" تؤكّد "التزام لبنان وحزب الله ضمنًا بشكل صارم مضمون إعلان وقف إطلاق النار منذ لحظة صدوره وحتى يومنا هذا"، هو تضليل ونسف للوقائع، حيث إنّ حزب الله يرفض أن يُعلن تخلّيه عن جناحيه العسكري والأمني، ويرفض التعاون مع الجيش اللبناني لتسليم سلاحه ومنشآته على كامل التراب اللبناني، وتأتي مجاهرة كوادره السياسية والاعلامية باستعادة قدراته العسكرية لتنسف ما تضمّنه الكتاب.
رابعاً، إنّ ابتزاز لبنان ووضع الشروط قد مارسه حزب الله نفسه بحقّ الدولة اللبنانية وسلطتها التنفيذية، قبل أيّ طرف آخر، تارةً بالتهديد والوعيد بالحرب الاهلية، وطوراً بالانسحاب من الجلسات الحكومية والاستقالة منها، كلّما اتّجه مجلس الوزراء لإقرار بنود سيادية ترتبط ببسط سلطة الدولة واحتكار القرار.
خامساً، قبل أي طرف آخر، إنّ مَن يُصرّ على إكمال مشروعه الرامي إلى إخضاع لبنان وإذلال دولته وشعبه وجيشه، هو الفصيل المسلّح، غير الشرعي، الذي يرفض تطبيق الدستور والبيان الوزاري ومقررات 5 و7 آب الحكومية، والقرارات الدولية واتفاق 27 تشرين، ويُصرّ على التمسّك بسلاح سقط مفعوله ودوره وتأثيره وبات بمهمّة وحيدة "جرّ إسرائيل إلى تدمير لبنان واذلال شعبه".
سادساً، الكلام عن "القرار المتسرّع للحكومة حول حصرية السلاح"، هو تعدٍّ صارخ على قرار الدولة العسكري والأمني في آب الماضي، عدا عن أنّ الحال هنا ليس تسرّعاً، بل تأخّراً دام 35 عاماً، حيث نصّ اتفاق الطائف على "حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية".
سابعاً، إنّ بحث حصرية السلاح، لا بل قرار الحكومة بهذا الخصوص، ليس استجابة لطلب أجنبي أو ابتزاز إسرائيلي، بل هو تنفيذاً لنصّ الدستور اللبناني ومندرجاته وكلّ القرارات ذات الصلة، وهو ربطاً قرار بحت لبناني بالأساس، وليس مُتاحاً للنقاش ولا لإخضاع لتوافق حول "استراتيجية" ما، كما يحلو لحزب الله أن يُسوّق أو يدّعي، بل هو أمر حسمته السلطة التنفيذية التي تملك وحدها رسم الاستراتيجيات وتوابعها.
ثامناً، إنّ الحديث عن تورّط وانزلاق لا شكّ هو مردود لِمَن تورّط وورّط لبنان بمعارك عبثية وانزلق وأخذ لبنان وشعبه وبيئته تحديداً إلى مسلسل متواصل من الحروب والدماء والفوضى.
تاسعاً، استأثر حزب الله في كتابه هذا، التحدّث باسم "مكوّن مؤسّس للبنان"، خاطفاً من جديد قرار طائفة برمّتها، وواضعاً إيّاها تحت تأكيده "حقّه المشروع بالمقاومة"، وكأنّ لا دولة في لبنان، ولا رئيس جمهورية، ولا سلطة تنفيذية، ولا دستور، ولا شعب، ولا مؤسسة عسكرية.
عاشراً، إنّ كتاب حزب الله هو صك مكتوب على إعلانه مواصلة انقلابه على الدولة وتمرّده على قراراتها ودستورها، ويستوجب الردّ عليه من "المُرسَل إليهم" بتطبيق القانون وفرض سطوته وحكم الدولة، فعلاً لا قولاً، عبر تنفيذ ما يجب تنفيذه، والمباشرة فوراً بنزع السلاح، نعم نزعه، كون "الحزب" جاهر بتمرّده، وربطاً جرّ كل من يواجه إجراءات الدولة إلى المحاكمة بتهمة المسّ بالأمن الوطني اللبناني، والتمرّد على الجمهورية وهيبتها ودورها واقحام الشعب اللبناني بمخاطر جمّة. وأقلّ من ذلك هو كما اصطلح البعض على تسميته "تخريجة" و"تسوية" و"تدوير زوايا"، وبمعنى آخر "ضرب الجمهورية من بيت أبيها".