في صباحٍ لبنانيٍّ مُثقلٍ بالدخان والقلق، خرج حزب الله ببيانٍ بدا وكأنه خطابُ دولةٍ داخل الدولة، لا بل خطابُ المرشد الأعلى الذي يوجّه الرؤساء الثلاثة ويُملي عليهم ما يجب أن يفعلوه وما يجب أن يمتنعوا عنه.
بيانٌ، بقدر ما حمل من كلماتٍ، حمل في طيّاته إعلان حربٍ شاملة على الكيان اللبناني نفسه - حربٍ على سيادته، على دستوره، على مؤسساته، وعلى فكرة الدولة الحديثة التي يحاول اللبنانيون جاهدين أن يبقوها حيّة وسط الركام.
لم يكن ما قاله الحزب اليوم مجرّد رفضٍ لتسليم سلاحه، بل كان تثبيتاً لنظريته الموازية للدولة: "نحن نقرّر متى تكون الحرب ومتى تكون الهدنة، نرفض المفاوضات، ونرسم حدود القرار.
بهذه اللغة، لم يعد حزب الله "مكوّناً سياسياً" كما يدّعي، بل سلطةً عسكريةً مطلقة تمسك بمصير لبنان السياسي والإقتصادي والأمني، وتتعامل مع الرؤساء الثلاثة كأنهم موظفون في دائرةٍ ملحقة بـ "مجلس الجهاد".
البيان، بوضوحه الفاضح، انتزع من الدولة حقّها في القرار السيادي، وجرّدها من وظيفتها الأساسية: إدارة الحرب والسلم. كيف يمكن لدولة أن تفاوض أو تقرّر، إذا كان أحد مكوّناتها يحتكر البندقية ويمنعها من الكلام؟
لقد بات واضحاً أن الحزب لا يتحدّث باسم بيئته أو ناخبيه فقط، بل يتحدّث باسم "لبنان المُصادَر"، ذاك الوطن الذي يُقاد من دون أن يُستشار، ويُجرّ إلى الحروب والذبح دون أن يُسأل.
في بيانه اليوم، لم يكتفِ الحزب بإعلان رفضه تسليم السلاح، بل أعلن أنه يملك حقّ القرار عن الدولة، وحقّ الصمت عنها أيضاً.
هو لا يمنع الدولة من التفاوض مع إسرائيل فقط، بل يمنعها من النطق، من التفكير، من التنفّس خارج الإيقاع الذي يحدده.
وهكذا، تحوّل لبنان إلى رهينة خطابٍ واحدٍ وسلاحٍ واحد، بينما يدفع الشعب ثمن كل "جولة انتصار" بدمه ولقمة عيشه وانهيار اقتصاده.
البيان لم يكن دفاعاً عن لبنان كما أراد الحزب أن يُوهمنا، بل كان هجوماً على سيادة لبنان نفسها.
حين يعلن حزب الله أن لا أحد يحق له التفاوض سوى هو، وأنّ الدولة لا تملك قرارها، فهذا يعني أن الحرب بدأت فعلاً - لا على الحدود، بل في قلب الجمهوريّة.
هذه ليست حرباً مع إسرائيل، بل حربٌ على السيادة اللبنانية، على الدستور، على المؤسسات، على الرئيس والحكومة والجيش.
فالسلاح الذي لا يخضع لقرار الدولة ليس سلاحاً “مقاوماً”، بل سلاح انقسامٍ دائم؛ وكل بيانٍ يضع يد الحزب فوق رأس الدولة هو بيانُ انقلابيٍّ يعلن موت الدولة وخنقها.
لقد آن الأوان للبنانيين أن يسمّوا الأشياء بأسمائها:
هذا ليس موقفاً سياسياً، ولا هو بيان دفاعٍ عن النفس، إنه إعلان حرب بكل المعاني، صريح ومباشر، على الجمهورية اللبنانية.
فحين تُوجَّه الرسائل إلى الرؤساء الثلاثة من خارج الدولة، وحين يُفرض على المؤسسات صمت القبور، وحين يُختصر الوطن بقرارٍ واحد وسلاحٍ غير شرعي، نكون أمام نظامٍ موازٍ يُدير لبنان من فوق الدولة، لا من داخلها.
باختصار، البيان الذي صدر اليوم ليس عابراً. إنه خطّ فاصل بين لبنان الدولة ولبنان الميليشيا.
وإذا لم يُواجَه هذا التمادي بموقفٍ واضحٍ وصارمٍ من الرؤساء الثلاثة، ومن القوى السيادية والشعب الحر، فإن لبنان سيدخل رسمياً مرحلة "ما بعد الدولة" - حيث لا يبقى من الجمهورية سوى اسمها، ولا من السيادة سوى ذكراها.
لقد قال الحزب كلمته: "نحن نقرر الحرب."
والآن على الدولة أن تقول كلمتها:
"نحن الدولة… ولن نُحكم ببيان ولا بسلاح ولا بمرشد" ... والسلام
رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"