يقف لبنان اليوم عند مفترقٍ حاسم بين خيارين لا ثالث لهما: إمّا استعادة الدولة سيادتها الكاملة على القرار والأمن والانتخابات، وإمّا الاستسلام لهيمنة الميليشيات ومحاور الخارج. ويمثل قانون الانتخابات وحقّ المغتربين في التصويت، إلى جانب ملف حصر السلاح (سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية) بيد الدولة، اختبارًا حاسماً لسيادة لبنان. لذا فإن جلسة الحكومة المقررة الخميس 6 تشرين الثاني 2025 في القصر الجمهوري في بعبدا تمثّل امتحاناً مصيرياً لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لإثبات أن السيادة الوطنية ليست شعارات أُطلقت في خطاب القسم والبيان الوزاري، وان الدولة بمؤسساتها السياسية كما الأمنية قادرة على استعادة زمام القرار لصالح اللبنانيين لا لصالح محاور إقليمية أو ميليشيات مسلحة.
ومن هذا المنطلق تطالب الأكثرية السيادية، وفي مقدمتها القوات اللبنانية، بمنح المغتربين حق التصويت لاختيار النواب الـ128 من أماكن تواجدهم كمسألة عدالة تمثيلية وسيادة وطنية، ما جعل محور حزب الله حركة امل ومعهم التيار الوطني الحرّ يستشرسون بالمعارضة الى حدّ تغيير القواعد ومخالفة النظام العام كي لا يُمنح المغترب اللبناني حق المشاركة في إعادة بناء لبنان الجديد.
اما وفي الموضوع السيادي الاخر، الذي لا يقل اهمية عن حق الانتشار اللبناني بالإنتخاب، أي ملف حصر السلاح بيد الشرعية اللبنانية، يُنتظر غداً تقديم قائد الجيش للتقرير الثاني عن مجرى سير عملية تسلّم مخازن الاسلحة في الجنوب ليكشف إذا كان سيعلن عن حقيقة ما يحصل مع الجيش في الجنوب أم سيطلب مهلة إضافية لمتابعة سحب السلاح من جنوب الليطاني!! فالجيش، وهو المؤسسة التي يلتفّ حولها اللبنانيون، مدعوّ لأن يقول الحقيقة كاملة: هل التزم حزب الله بما وقّع عليه في اتفاق وقف الأعمال العدائية، أم أنّه يُعيد بناء ترسانته خلافًا لقرار مجلس الأمن 1701، بما يعرّض جرّ لبنان الى حرب جديدة مدمّرة؟ إذ لا يخفى على أحد من أن الجيش اللبناني الذي يعلم بكل مواقع مستودعات الاسلحة واماكن تموضع المجموعات المسلحة، معوّل عليه ليلعب دوراً رئيسياً وحساساً في عملية ضبط السلاح خارج إطار الدولة.
لذا، لا يختلف اثنان باننا نعيش اليوم ثنائية متناقضة بين "الدولة و الميليشيا" ، ما يحمّل المسؤولين موجب:
- اتخاذ موقف وحيد وجازم بأن حصر السلاح بيد السلطات الشرعية بنداً لا تفاوض حوله، وان تُحدد المهلة النهائية لتسليم كل الاسلحة وكل المواقع العسكرية خارج الشرعية اللبنانية الى القوى المسلحة اللبنانية بغض النظر عن هوية وجنسية الاشخاص والكيانات المسلحة، والاعلان أن كل تأخير سيعتبر تمرّدًا على الشرعية ويستوجب الملاحقة القانونية وتصنيف الجهات المخالفة كمنظمات خارجة عن القانون.
- الإنتفاضة على منطق الصفقات وإنهاء كل محاولات المماطلة والتسويف عبر إرسال مشروع قانون معجل التنفيذ الى المجلس النيابي يمنح المنتشرين حق التصويت لكامل المقاعد الـ128 من مكان تواجدهم، مع آليات عملية فورية لتسجيلهم وحتى منحهم حق التصويت الإلكتروني.
في الخلاصة، خيارنا وحيد لا بديل عنه " دولة سيدة، قوية، حرة ونزيهة" إن لبنان الجديد الذي نحلم به لا يبنى بالوعود والتنازلات، بل بفرض القانون على الجميع دون استثناء. وإن على كلّ منّا ومن موقعه أن يُعلن عن إستعداده الاستمرار بالمواجهة لحين الوصول إلى السيادة المطلقة والناجزة بغض النظر عن الأثمان التي قد نضطر لدفعها، فإمّا أن نكون أمام مسار فعلي لإعادة بناء السلطة وتثبيت دعائم الدولة، أو أمام تمديد جديد يكرّس واقع الدويلة داخل الدولة؟ وقرارنا لا مقايضة على سيادة الدولة ووحدتها، لأننا أوفياء لمن سبقونا من اللبنانيين الأحرار الذين واجهوا وصمدوا ودحروا الاحتلالات والهيمنات بدمائهم وأرواحهم عبر العصور، أما نحن فمواجهتنا اليوم مواجهتنا دستورية، سياسية، قانونية، ديبلوماسية وشعبية، مواجهة مستمرة حتى نصل الى لبنان الذي نؤمن به، لبنان التعديدية والحريات لبنان الذي تجرأنا ليبقى وسيبقى.