يشهد كردستان العراق حماوة داخلية مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية العراقية في 11 من الحالي. تحالفات، خلط أوراق وتنافسٌ على أشدّه في كلّ الإقليم، ما يجعل انتخابات هذا العام مفتوحة على نتائج قد تعيد تشكيل المشهد السياسي الكردي والعراقي على حدّ سواء.
يتنافس 309 مرشحين عن إقليم كردستان على 46 مقعدًا مخصّصًا للإقليم بمحافظاته الأربع داخل برلمان العراق. يتصدّر الحزبان الرئيسيان المشهد الانتخابي، الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة بافل طالباني، اللذان يخوضان السباق بكتل كبيرة، بينما تسعى أحزاب صغيرة أخرى إلى كسر الهيمنة التاريخية لحزبي كردستان التقليديين، لعلّ التغيير يدق باب الناخب الكردي، ولا سيّما على مستوى العلاقة مع الحكومة الاتحادية في بغداد وسائر الملفات العالقة بين الطرفين، على رأسها ملف رواتب الموظفين، الذي يحتلّ صدارة أولويات الكرد.
وفي ظلّ فشل القوى الكردية في تشكيل حكومة جديدة لإقليم كردستان منذ أكثر من عام على انتخابات البرلمان التي جرت في تشرين الأوّل 2024، نتيجة الصراعات بين الحزبين الرئيسيين حول تقسيم المناصب والحقائب الوزارية، أصبح التمثيل الكردّي في المعادلة الاتحادية ذات أهمية مضاعفة. وبالتالي، ليست انتخابات الثلثاء المقبل مجرّد اختيار لأعضاء المكوّن الكردي في البرلمان العراقي فحسب، بل ستحدّد موقع الإقليم في المعادلة السياسية العراقية مستقبلًا. فإلى أي مدى ستشكّل هذه الانتخابات فرصة واقعيّة لإعادة ترتيب النفوذ السياسي الداخلي والخارجي للإقليم داخل المشهد العراقي؟
على صعيد الداخل، إن بروز قوى وأحزاب سياسية جديدة أو معارضة داخل الإقليم، يعطي مؤشرًا إلى تغيّر في التوازن التقليدي بين الحزبَين، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، ما قد يدفع في اتجاه تجديد مطلوب في الحياة السياسية وتعديل في الأداء. وبالتالي، قد تتجه الأحزاب الكردية إلى إعادة صياغة خطابها وتحالفاتها بهدف تغيير الموازين داخل الإقليم وخارجه.
إلّا أن الانقسام بين الأحزاب الكردية يشكّل عائقًا أمام فرصة إعادة ترتيب النفوذ الكردي، فتكوين كتلة برلمانية محترمة أو تحالف ذكي ضمن البرلمان الاتحادي، يحتاج إلى وحدة الصف الكردي ورؤية مشتركة تعطي الكرد موقعًا أفضل في التفاوض على الحقائب الوزارية أو الصفقات الاتحادية.
ولكن حتى لو تغيّرت الموازين داخل الإقليم، هذا لا يعني بالضرورة تغيّرًا تلقائيًا في النفوذ الاتحادي، فهناك أيضًا قيود دستورية وسياسية تكبّل موقع الإقليم في بغداد، مثل الخلافات حول تطبيق الدستور العراقي لعام 2005، خصوصًا في ما يتعلّق بقانون النفط والغاز، الجمارك والمادة 140 المتعلّقة بكركوك والمناطق المتنازع عليها، كلّها قيود تؤثر على صلاحيات الإقليم الاقتصادية والإدارية. حتى أن قانون الانتخاب يواجه انتقادات كثيرة على أنه يميل لمصلحة المحافظات الشيعية، ما يقلّل الحصة الكردية النسبية في البرلمان العراقي.
وبالتالي، فإن انتخابات 2025 تمثل فرصة واقعيّة لكنها محدودة لإعادة ترتيب النفوذ الكردي. فإذا نجحت القوى الكردية في توحيد موقفها، وتجنب الانقسامات، وجذب ناخبين جدد، قد تحقق تحت قبة البرلمان الاتحادي مكاسب مفصلية، مثل مقاعد أكثر، مسارات تفاوضية أقوى، وتحسين شروط التمثيل الاتحادي.
أمّا إذا بقيت التوترات الداخلية قائمة، وانخفض التمثيل النسبي أو تراجع الأداء، فإن النفوذ الكردي قد يبقى محدودًا أو يتراجع، وسيبقى الإقليم في موقع "تابع" أكثر منه شريكًا فعليًا في القرار الاتحادي.
الكرة إذًا في ملعب إقليم كردستان وأحزابه، فيما يبقى الشارع الكردي مترقبًا لما ستفسر عنه صناديق الاقتراع، آملًا في أن تحمل نتائجها تحوّلًا ينعكس إيجابًا على معيشته ومستقبله.