أندريه مهاوج

بين دعم الدولة اللبنانية واحتواء التصعيد الإقليمي...

باريس تعيد تفعيل دورها في لبنان على وقع التوتر مع إسرائيل

4 دقائق للقراءة
باريس

في ظل تصاعد التوتر على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، وتجدد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة، عادت فرنسا لتتحرك على أكثر من محور سياسي ودبلوماسي، محاولة إعادة تثبيت حضورها التقليدي في الملف اللبناني عبر دعم الدولة ومؤسساتها الشرعية، وفي مقدمها الجيش اللبناني وتثبيت مبدأ حصر السلاح بالمؤسسات الأمنية التابعة للدولة.

في هذا الإطار، أكدت باريس مجددًا تمسكها بوقف إطلاق النار المبرم في 26 تشرين الثاني 2024، معتبرة أن تنفيذه هو المدخل الأساسي لضمان السيادة اللبنانية على كامل أراضي البلاد. ويشير هذا الموقف إلى رؤية فرنسية واضحة مفادها بأن الجيش اللبناني يجب أن يكون القوة الوحيدة المخوّلة فرض السيادة وتحقيق الهدف الذي أعلنته الحكومة مجتمعة بحصر السلاح بيدها وهي إشارة واضحة الى "حزب الله" والى كل التنظيمات المسلحة غير المنضوية تحت لواء الأجهزة الأمنية. وانطلاقًا من هذه الثوابت شدد الناطق باسم الخارجية الفرنسية، أمس الخميس، على دعوة كل الأطراف إلى احترام وقف إطلاق النار مضيفًا أن المرجعية الأساسية لباريس هي وقف النار الموقع بتاريخ 26 تشرين الثاني 2024 والذي تولي فرنسا أهمية كبيرة لاحترامه. وأوضح الناطق الفرنسي أن هذا الاتفاق ينص على أن الجيش اللبناني يجب أن يتولى ضمان السيادة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية.

مرجعية خطة 5 أيلول

يضيف الناطق باسم الخارجية الفرنسية ان بعد اتفاق وقف النار، جاءت خطة 5 أيلول التي أقرّتها الحكومة، والتي تهدف إلى نزع سلاح "حزب الله" وضمان السيادة من خلال نشر القوات الحكومية في جنوب البلاد. وبالتالي قال الناطق الفرنسي إن كل عملية تفكيك تعود إلى الجيش بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وهذا هو موقف فرنسا الثابت بحسب تعبيره.

يندرج الموقف الفرنسي ضمن خطة تعمل بموجبها فرنسا على تنظيم مؤتمر دولي لدعم الجيش. ويشمل هذا المؤتمر تمويل المؤسسة العسكرية وتزويدها المعدات واعداد برامج تدريب في إطار تنسيق كامل ووثيق مع المملكة العربية السعودية.

تهدف هذه الخطة أيضًا إلى ربط الدعم الاقتصادي والسياسي بالإصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي، سواء في الاقتصاد او في قانون الفجوة المالية وتفعيل القضاء أو في مسألة احتكار الدولة السلاح.

وساطة فرنسية لتفادي الحرب

في موازاة ذلك، تمرر باريس رسائلها إلى جميع الأطراف المعنين، بما فيها الحكومة الإسرائيلية، في محاولة لاحتواء التصعيد على الجبهة اللبنانية ومنع تحوّله إلى مواجهة شاملة. فالمخاوف تتزايد في الأوساط الدبلوماسية من أن يؤدي أي اشتباك موسّع بين إسرائيل و"حزب الله" إلى إشعال حرب إقليمية تمتد من لبنان إلى سوريا وربما إلى إيران.

زيارة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان إلى السعودية قبل حوالي الشهر، واللقاءات التي أجراها الموفد الاقتصادي جاك دو لاجوغي في بيروت، تعكسان تحركًا منسقًا بين باريس والرياض لإعادة وضع الملف اللبناني ضمن أولويات الاهتمام الدولي، وفي هذا السياق أوضح الناطق الفرنسي ان جاك دو لاجوغي، وهو الموفد المكلف بالتحضير للجانب الاقتصادي والمؤتمر المستقبلي الذي سيُعقد في فرنسا لدعم إعادة إعمار الاقتصاد اللبناني، عندما تتوافر الظروف وتنجز الحكومة الاصلاحات المطلوبة، التقى برئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام وبحث معه في الإسراع بتنفيذ الخطوات المطلوبة من السلطات اللبنانية.

عودة الدبلوماسية الهادئة

التحرك الفرنسي في لبنان يعكس عودة الدبلوماسية الهادئة إلى المشهد الإقليمي، لكن من الواضح أن باريس تتحرك في حقل ألغام سياسي معقّد. فهي تسعى لدعم الدولة اللبنانية من دون الصدام مع "حزب الله"، وللتقارب مع السعودية دون إغضاب إيران، وللحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل دون التخلي عن خطابها الإنساني المتوازن تجاه ما يترض له المدنيون في غزة وفي لبنان.

وفي خضم هذا المشهد المتشابك، تراهن فرنسا على أن تفعيل مؤسسات الدولة اللبنانية هو الطريق الوحيد لإنقاذ لبنان من الانهيار ومن التحول مجددًا إلى ساحة حرب بالوكالة.