قراءة فكرية في جوهر التّجربة اللّبنانية
لطالما شكّلت مفاهيم "اليمين" و"اليسار" محور النقاش السياسي والفكري في كل المجتمعات الحديثة. باختصار، يمكن القول إن اليمين يرتبط غالبًا بالتمسك بالهوية التقليدية، والدفاع عن القيم المجتمعية الراسخة، واعتماد سياسات اقتصادية قائمة على السوق الحر والمبادرة الفردية. أما اليسار فيتجسد في الانفتاح على التنوع، والسعي نحو التعددية الاجتماعية والسياسية، وتعزيز العدالة الاقتصادية والاجتماعية، أحيانًا عبر سياسات تدخل الدولة لتوزيع الموارد وحماية الفئات الأضعف.
في سياق لبنان، حيث الأحزاب عادة براغماتية أكثر من كونها أيديولوجية، تصبح هذه التصنيفات أقل وضوحًا.
ومن هذا المنطلق، يجب التنويه بأن تصنيف الأحزاب اللبنانية ضمن معايير اليمين واليسار الفلسفية الغربية لا يعكس بدقة طبيعة الواقع السياسي في لبنان. فهذه التصنيفات، في سياقنا المحلي، تبقى أدوات جدلية لفتح النقاش وتحفيز التفكير، لا قواعد جامدة لتقييم الواقع. وهنا يكمن دور الكاتب اليوم: ألا يكتفي بوصف الأمور، بل أن يطرح جدلية التفكير المستمر، ويُشجّع القراء على فهم التحولات الاجتماعية والسياسية بشكل نقدي، ليصبح النقاش وسيلة للتطور والوعي، لا مجرد تصنيفات أيديولوجية جامدة.
لطالما ارتبطت فكرة "الاشتراكية" في الوعي العالمي بالمساواة الطبقية ورفض الاحتكار،
لكنها، في جوهرها الفلسفي، ليست فقط برنامجًا اقتصاديًا، بل كما يُقال ، موقفًا أخلاقيًا من العالم.
فالاشتراكي، في أعمق معانيه، هو من يرفض الظلم بوصفه بنيةً لا صدفة،
ومن يرى أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يمنح.
إلا أنّ الحزب التقدّمي الاشتراكي في لبنان لم يكن اشتراكيًا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة،
ولا تقدّميًا بالمعنى الغربي للحداثة.
بل كان ، وربما ما زال ، ترجمة لبنانيةٍ صافيةٍ لفكرة العدالة المشروطة بالهوية.
وهذا ما يجعل تجربته واحدة من أكثر التجارب الفكرية التباسًا وثراءً في آنٍ واحد.
أولاً: الاشتراكية كهوية، لا كأيديولوجيا
حين أسّس كمال جنبلاط الحزب التقدّمي الاشتراكي عام ١٩٤٩،
لم يكن يسعى إلى استنساخ الماركسية، بل إنّه اصطدم بلبننة الأطروحة”.
في كتاباته ، كان يرى أن الاشتراكية لا تُستورد ولا تُسقط، بل تتجذّر في المجتمع،
وأن العدالة الاجتماعية لا تُفرض بالمرسوم، بل تُبنى من روح الإنسان.
لقد كانت اشتراكيته روحانيةً أكثر منها مادية.
فهو لم يؤمن بصراع الطبقات بقدر ما آمن بصراع الوعي.
وفي ذلك، كان أقرب إلى غاندي منه إلى لينين،
وأقرب إلى المتصوّف منه إلى الثائر.
لكنّ هذا المزيج الغريب بين الروحانية والمأسسة، بين العقل والطائفة،
جعل الحزب يعيش تناقضًا وجوديًا مستمرًا:
هل هو حزب العدالة الاجتماعية أم حزب الجبل الدرزي؟
ثانيًا: كمال جنبلاط… الفيلسوف الذي أضاع المعبد
في كل خطاباته، كان كمال جنبلاط يتكلّم لا كسياسي، بل كقدّيسٍ يبحث عن خلاص جماعي.
كان يرى في الفلسفة وسيلة لإصلاح السياسة،
وفي الزعامة مسؤوليةً كونيةً لا تقتصر على حدود المختارة.
لكنّ المأساة الكبرى أنّ الرجل الذي أراد "علمنة الوجدان"،
اضطر ، وذاك نتيجة التّفاعل الذّي كان قائماً مع والدته ، السّت نظيرة، إلى قيادة طائفةٍ تبحث عن الحماية قبل الحقيقة.
فأُحبط مشروعه التنويري على مذبح الجغرافيا الطائفية.
ولعلّ هذا التناقض بين “كمال المفكّر” و”كمال الزعيم”
هو الذي جعل الحزب التقدّمي الاشتراكي حزبًا دائم الحركة، دائم القلق،
لا يستقرّ في يمينٍ ولا يسار،
بل في برزخٍ سياسيٍّ بين الفكرة والواقع.
ثالثًا: الاشتراكية اللبنانية… بين اليسار والقدر
منذ نشأته، رفع الحزب شعار العدالة الاجتماعية والتقدّم الإنساني،
لكنّه سرعان ما وجد نفسه في صراعاتٍ وجوديةٍ أكثر من اقتصادية.
فحين تتحوّل الجغرافيا إلى قدر،
تذوب الأيديولوجيا في الماء العكر للسياسة اللبنانية.
ومع اندلاع الحرب اللّبنانية، تحوّل الحزب من حامل مشروعٍ فكري
إلى طرفٍ مسلّحٍ في معادلةٍ جيوسياسية وطائفيةٍ معقّدة.
وهكذا، تحوّلت الاشتراكية إلى “لغةٍ وعيٍ ونقاش” أكثر منها “برنامجًا عمليًا”،
وصار الحزب كمن يكتب شعرًا في زمن الحرب.
رابعًا: الزعامة كحكمةٍ متوارثة
في عهد وليد جنبلاط،
أصبح الحزب التقدّمي الاشتراكي مختبرًا فريدًا لمعادلةٍ دقيقة:
كيف يحافظ حزبٌ “اشتراكي” على إرثٍ عائليٍّ وزعامةٍ شبه ميتافيزيقية؟
فالزعامة الجنبلاطية لم تعد سلطة سياسية فقط،
بل تحوّلت إلى إيقاعٍ اجتماعيٍ وثقافيٍ لبنانيٍّ خاص،
يحتوي التناقض دون أن يحلّه،
ويوازن بين الضرورة الطائفية والطموح الوطني.
الزعامة هنا ليست تسلّطًا، بل حكمة بقاء،
ولا تُفهم إلا في ضوء تلك العبارة التي قالها أحد الكوادر الإشتراكية ذات يوم:
“أنا اشتراكي لأنّ الاشتراكية في لبنان هي فنّ العيش مع المستحيل.”
خامسًا: الحزب بعد الحرب ذاكرة أكثر منه مشروعًا
اليوم، يعيش الحزب التقدّمي الاشتراكي حالةً رمزيةً أكثر منها سياسية.
فهو لم يعد حزب الصراع الطبقي ولا حامل راية التغيير الجذري،
بل ذاكرةٌ مؤسّسةٌ عن مرحلةٍ لبنانيةٍ كانت تحلم بالمعيار الوطني ،
ثم استفاقت على حسابات الطوائف.
ومع ذلك، يبقى هذا الحزب شاهدًا على حقبةٍ نادرةٍ
حاول فيها مفكّرٌ مشرقيٌّ أن يُصالح بين بوذا وماركس،
بين الروح والعقل، بين الفرد والجماعة.
سادسًا: الجبل كـ”ولاية فيدرالية لم تولد بعد”
من المفارقات التي لم تُكتب بعد كما يجب،
أن وليد جنبلاط حوّل الجبل بوعي أو بدونه إلى نموذج مصغّر لاقتصادٍ فيدراليٍ ذاتيّ الإدارة.
فمنذ نهاية الحرب، دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمبادرات الفرديّة في المناطق الدرزية،
شجّع التعليم المهني، أسّس شبكات تعاون محلية،
وأعطى الأولوية للمبادرات الفردية على الخطط المركزية.
بهذا المعنى، لم يكن وليد جنبلاط اشتراكيًا بالمعنى الاقتصادي للكلمة،
بل كان أقرب إلى رأسماليٍّ اجتماعيٍّ يؤمن بقدرة المجتمع المحلي على الاكتفاء الذاتي.
لقد أدرك أنّ “العدالة الاجتماعية” في لبنان لا يمكن أن تأتي من الدولة،
بل من استقلالية المجتمع المحلي، ومن الاقتصاد الصغير الذي يُقاوم الانهيار بالمرونة لا بالقوانين.
وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى:
كيف يمكن لحزبٍ يحمل اسم “التقدّمي الاشتراكي”
أن يبني في الواقع نموذجًا اقتصاديًا ليبراليًّا متوازنًا؟
سابعًا: من نظيرة إلى وليد — سلالة الزعامة المتحوّلة
لا يمكن فهم الحزب التقدّمي الاشتراكي من دون العودة إلى المرأة التي أنجبته رمزيًا قبل أن تلده فعليًا: نظيرة جنبلاط،
سيدة الجبل، وحاكمة المختارة، التي اختزلت الزعامة في الغريزة قبل النظرية.
كانت نظيرة تختار الزعامة لا بالوراثة وحدها، بل بالحدس السياسي،
وتفهم الطائفة كما تُفهم القبيلة: شبكة حمايةٍ قبل أن تكون بنيةَ إيمان.
ومن رحم تلك السلطة الأنثوية، تخرّج كمال، ابن جامعة السوربون
حاملاً في رأسه فلسفة الغرب، وفي دمه إرث الشرق.
جاء ليكسر البنية، فوجد نفسه جزءًا منها؛
أراد أن يحرّر الجبل من الطائفية، فصار زعيمًا لطائفة تبحث عن خلاصها فيه.
ثم جاء وليد، يحمل من جدّته حكمة البقاء، ومن أبيه رهافة الفكر،
ليُعيد تركيب الزعامة اللبنانية في زمنٍ لم يعد يُنتج زعماء.
فكان اشتراكيًا في الشعار، ليبراليًا في الاقتصاد، درزيًا في الانتماء،
وأهمّ من ذلك، لبنانيًا في التناقض.
خاتمة: اليمين الذي أحبّ اليسار
ومن لم يقل إنّ كميل شمعون، رمز الليبرالية والرأسمالية اللبنانية،
كان معجبًا بشخصية كمال جنبلاط؟
ومن لم يعلم أنّ فتى العروبة الأغرّ كان هو أيضًا عضوًا في الجبهة الوطنية الاشتراكية؟
هكذا، تختصر المفارقة اللبنانية نفسها:
الاشتراكيّ والليبراليّ، اليساريّ واليمينيّ،
يلتقيان لا في الفكرة، بل في الدهشة من لبنان نفسه.
ففي النهاية، الحزب التقدّمي الاشتراكي لم يكن حزبًا للطبقة،
ولا للطائفة فقط،
بل كان مرآةً للفكر اللبناني حين يحاول أن يفهم ذاته.