جاد الاخوي

لماذا تتمسّك الأحزاب اللبنانية بطائفيتها؟

4 دقائق للقراءة

الطائفية في لبنان، ليست جزءًا من النظام السياسي، بل هي النظام نفسه. فالأحزاب اللبنانية، مهما اختلفت شعاراتها وألوانها، تتمسّك بهويتها الطائفية كشرط وجودي لا كخيارٍ قابل للتعديل. هي أحزاب وُلدت من رحم الجماعات، وتغذّت على مخاوفها، وتحوّلت مع مرور الوقت إلى "مرجعيات وجودية" لأتباعها. ومن هنا، يصبح التخلّي عن الطائفية بالنسبة لها خطوة تعني خسارة الذات قبل خسارة النفوذ.

أوّل الأسباب هو أنّ النظام اللبناني قائم على التمثيل الطائفي في كامل مؤسساته: من رئاسة الجمهورية إلى القضاء والوظائف العامة. هذا النظام يجعل من الحزب الطائفي لاعبًا طبيعيًا داخل النظام، بينما يضع الحزب العابر للطوائف خارج قواعد اللعبة. حين تُقسم السلطة على الطوائف، يصبح الانتماء الطائفي بطاقة "ولوج سياسي"، ويصبح الخروج من هذه الهوية بمثابة خروج من الملعب.

ثانيًا، تعتمد الأحزاب الطائفية على احتكار التمثيل داخل الطائفة. فالزعيم الطائفي لا يخشى خصومه من الطوائف الأخرى بقدر ما يخشى المنافسين من طائفته نفسها. قوته الحقيقية تأتي من إقفال الباب على أي بديل وطني داخل "بيته الداخلي". لذلك، كلما ظهرت مبادرة عابرة للطوائف أو خطاب وطني، تُواجه بحملة تخوين، تشويه، أو تخويف من "التفريط بالحقوق".

ثالثًا، لأنّ السلاح والهيمنة الإقليمية فرضا توازن قوى غير طبيعي. فوجود قوة مسلّحة خارج الدولة يجعل الطائفة التي تمتلكها في موقع تفوّق، ويُدخل الطوائف الأخرى في منطق الخوف والحماية. في بيئة كهذه، من يخرج من طائفته يشعر أنه يصبح عاريًا، بلا غطاء ولا توازن. وهكذا يصبح الانتماء الحزبي الطائفي "ضرورة حماية"، لا خيارًا سياسيًا حرًا.

رابعًا، تأتي القوانين الانتخابية لتعزيز هذه البنية. فالصوت التفضيلي، حجم الدوائر، وطريقة فرز الأصوات تجعل المرشح بحاجة إلى أصوات طائفته حصراً كي يفوز، ما يحوّل التنافس إلى سباق داخل الطائفة الواحدة. بذلك يصبح أي مشروع وطني غير قادر على خلق كتلة انتخابية متماسكة، فيما تستفيد الأحزاب الطائفية من النظام كما هو.

خامسًا، تُشكّل العلاقة الزبائنية أحد أعمدة الطائفية السياسية. فالأحزاب تبني شبكات خدمات واسعة تُقدّم الوظائف، المساعدات، الحماية، والاستشفاء. هذه الشبكات لا تعمل خارج الإطار الطائفي، ولذلك فإن أي خروج من هذه الهوية يعني سقوط شبكة النفوذ. الأحزاب تعرف أنّ جمهورها مربوط بها عبر "حبل الخدمات"، وليس فقط عبر الخطاب.

سادسًا، هناك الذاكرة الجماعية المثقلة بالحروب والخوف. فشبح الحرب الأهلية، التهجير، الاغتيالات، والاصطفافات الخارجية يجعل الجماعات تعيش هاجسًا دائمًا. الأحزاب تستثمر في هذه الذاكرة وتعيد تدويرها عبر خطاب التخويف: "أمن الطائفة أولًا". وهكذا يُعاد إنتاج الطائفية جيلاً بعد جيل.

وهنا تأتي الإضافة الجوهرية:

الجميع يدّعي حماية العيش المشترك… ولكن خارج حزبه.

فكل حزب يرفع شعار العيش المشترك والتنوّع والانفتاح، لكنه يمارسه نظريًا فقط. داخل حزبه، لا ترى إلا لونًا مذهبيًا واحدًا، ولا تجد إلا سردية واحدة للهوية. هم يدافعون عن "الآخر" كشعار، ولكنهم لا يسمحون له بالدخول إلى بيتهم السياسي. العيش المشترك بالنسبة لهم قيمة تُستعمل للدعاية، لا أسلوب حياة حزبي. فالحزب يبقى طائفيًا في بنيته، تمويله، جمهوره، رموزه، وخطابه الداخلي، مهما اتّسع في خطابه العلني.

أخيرًا، فإن ضعف الدولة يبقى العامل الأكبر. فحين تغيب الدولة القوية والعادلة، تصبح الطائفة البديل الوحيد للحماية. الأحزاب تستفيد من هذا الضعف وتعمل على تكريسه، لأنها تعرف أنّ دولة قوية تعني دولة قادرة على محاسبتها، وعلى بناء انتماء سياسي يتجاوز الطائفة.

في الخلاصة، تمسّك الأحزاب اللبنانية بطائفيتها ليس نابعًا من عقيدة بل من مصلحة. إنها منظومة قائمة على الخوف، الاتكال، الاحتكار، والسلاح. وكل مشروع وطني عابر للطوائف هو تهديد مباشر لبنية قوة هذه الأحزاب. فلو تحقّق هذا المشروع، لانهارت أسس النظام الذي يضمن لها استمرارها، ولخرج اللبناني أخيرًا من أسر الطائفة إلى رحابة الدولة.