د. بولا أبي حنا

"نحنا منتغطّى بعبايتك يا دولة الرئيس!" فعلاً، هزلت

3 دقائق للقراءة

مكالمة عادية في ظاهرها، لكنها تختصر واقعًا لبنانيًا مؤلمًا في باطنها.

اتصل الرئيس نبيه بري برئيس بلدية ديربورن في ولاية ميشيغن، عبدالله حمود، لتهنئته بفوزه الساحق بنسبة 68% من الأصوات. مشهدٌ يبدو للوهلة الأولى مشرفًا: مسؤول لبناني يهنئ مغتربًا لبناني الأصل على نجاحه في الخارج.

لكن، فلنقف قليلًا ونتأمل...

في خلفية الاتصال، كان أحد الحاضرين، السيد حسن بزي، يلقّن عبدالله حمود ما يقوله للرئيس، ويذكّره بأن يضيف الجملة السحرية :"نحنا بالخدمة يا دولة الرئيس".

أما الرئيس بري، فأنهى المكالمة بجملة خفيفة الظل، أو هكذا أرادها، حين قال:"ما تنسى تسلّم على نيويورك!"

قد يرى البعض في هذه العبارات روحًا من الألفة أو الودّ، لكنّ المتأمل يرى مشهدًا أعمق بكثير:

رمزٌ من رموز السلطة اللبنانية يمدّ عباءته لتغطي كلّ شيء، حتى المغتربين الناجحين في أقصى الغرب.

يا دولة الرئيس، كيف يمكنكم أن تباركوا لمغترب لبناني وصل بكفاءته إلى رئاسة بلدية كبرى في أميركا، فيما ملايين المغتربين اللبنانيين ما زالوا يُمنعون من أبسط حقوقهم: الاقتراع من حيث هم؟

أليس من المفارقة أن تمارسوا الديمقراطية “à la carte”، فتفتحوا أبوابها حين تخدم مصالحكم، وتغلقوها حين تهدّد حساباتكم؟

أليس غريبًا أن تُهاتفوا "مو" حمود كما يُعرف في الخارج بهذا الاسم البسيط Moe))، لتقدّموا له تحية من زعيم، بينما في الداخل، الكفوء مثله يُقصى ويُحبط ويُهاجر؟

أيُّ عظةٍ نأخذ من هذا المشهد؟

أن النظام الأميركي احتضن شابًا من أصول لبنانية فأتاح له الصعود بكفاءته، بينما النظام اللبناني نفسه يُقصي الكفاءات ويكافئ الولاءات.

أن الخارج يُكرّم الجدارة، والداخل يُقدّس الزعامة.

أن عبدالله حمود لم ينجح لأنه "من عباءتكم"، بل لأنه خرج من تحتها.

 

ولنكن صريحين:

لو كان "مو" حمود يعيش اليوم في لبنان، هل كان ليتبوأ هذا المنصب؟

أم لكان غارقًا في دوامة "من تابع من؟" و"من أوصى بمن؟"

إننا أمام مشهد رمزي بامتياز:

اتصال تهنئة من سلطةٍ لا تزال ترى نفسها وصيّة حتى على إنجازات المغتربين،

وسكوتٌ عن حق هؤلاء المغتربين في أن يكونوا شركاء في صنع القرار الوطني.

يا دولة الرئيس،

تهنئتكم في الشكل جميلة، لكن في المضمون تُذكّرنا بأننا في وطنٍ يهنّئ الناجحين في الخارج... لأنه عاجز عن إنصافهم في الداخل.

لقد آن الأوان لأن نفهم أن "عبايتكم"، بكل رموزها السياسية، لا تُغطي المستقبل.

فالمغترب اليوم ليس بحاجةٍ لعباءة أحد، بل لوطنٍ عادلٍ يمنحه حقه، لا يهنّئه فقط على نجاحٍ تحقق بعيدًا عنكم.

آن الأوان أن نهنئ أنفسنا يوم يعود المغترب إلى وطنه، لا يوم يهاجر منه.

آن الأوان أن نتغطّى بالكرامة... لا بالعبايات.