يشكّل الاتفاق الجديد بين العراق وتركيا لتنظيم ملف المياه واحدًا من أهم التحولات الجيوسياسية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فبينما قد يبدو اتفاقًا تقنيًا للوهلة الأولى، إلّا أن مفاعيله تتخطّى حدود نهري دجلة والفرات لتطول ميزان القوى بين العراق وإيران وتركيا، وتكشف في الخلفية دورًا أميركيًا واضحًا في صناعة هذا التحوّل. وفي جوهر الحدث، يجد الإيرانيون أنفسهم أمام اتفاق ينتزع منهم إحدى أبرز أوراق النفوذ التي اعتمدوا عليها طويلًا داخل العراق.
أكثر ما يلفت في الاتفاق هو تأثيره المباشر على إيران. طوال عقدين، استخدمت طهران الأنهار المشتركة كسلاح ضغط على المحافظات العراقية الشرقية. فبناء السدود، وتحويل مجاري الأنهر، وتقليص التدفقات، كانت أدوات تمنح إيران قدرة على التأثير في الموسم الزراعي العراقي وفي القرار السياسي على حدّ سواء. لكن الاتفاق العراقي - التركي يبدّل هذه المعادلة جذريًا، إذ يمنح بغداد تدفقًا مائيًا ثابتًا ومنظمًا، ما يخفف اعتماد العراق على المياه القادمة من إيران ويقلّص من قدرة طهران على استخدام العطش كورقة نفوذ سياسي.
الأهم أن الاتفاق يعتمد للمرّة الأولى آلية قياس وتبادل بيانات شفافة بين بغداد وأنقرة. وهذا التطور يُحرج طهران أمام الرأي العام العراقي، لأنها تصبح الطرف الوحيد الذي لا يقدّم التزامات مماثلة ولا يقبل بإدارة مشتركة للأنهار. وفي بلد شهد احتجاجات مرتبطة بالعطش خلال السنوات الأخيرة، ستجد إيران نفسها تحت ضغط شعبي وسياسي يدفعها إمّا إلى مراجعة سياستها المائية وإمّا إلى مواجهة غضب المحافظات التي لطالما حمّلتها مسؤولية الجفاف.
كما أن نجاح الاتفاق العراقي - التركي قد يتحوّل إلى ورقة تحفيز غير مباشرة لإيران للدخول في مفاوضات مشابهة. فمع انكشاف البيانات المائية التركية بدقة، سيطرح العراقيون سؤالًا بديهيًا: لماذا تركيا التزمت بينما إيران لا تزال خارج أي منظومة؟ هذه المقارنة وحدها تشكّل ضغطًا على طهران، وتُظهر أن النفوذ التركي داخل العراق يتقدّم على حساب النفوذ الإيراني.
ووراء هذا الإنجاز الدبلوماسي، يكمن دور أميركي لا يقل أهمية عن الطرفين الموقعين عليه. فواشنطن قد تكون مارست خلال الأشهر الماضية ضغوطًا مباشرة على أنقرة لتقديم تنازلات لم تكن مستعدة لها سابقًا، واضعة الاتفاق في إطار رؤية أوسع تهدف إلى تحجيم النفوذ الإيراني داخل العراق. فكلّما قلّ اعتماد بغداد على المياه الإيرانية، تراجعت قدرة طهران على استخدام ملف المياه كورقة ضغط، علمًا أن المصدر الرئيسي للمياه العراقية يبقى نهر دجلة القادم بمعظمه من تركيا، مع مساهمة مهمة وإن متقلّبة من الروافد الآتية من إيران.
وإلى جانب الضغط السياسي، وفرت الولايات المتحدة دعمًا فنيًا وتقنيًا عبر مؤسّساتها ومراكز بحثية متخصّصة، إدراكًا منها أن استقرار العراق المائي يشكّل شرطًا أساسيًا لاستقرار سوق الطاقة العالمي، وأن أي انهيار اجتماعي مرتبط بالجفاف قد يضرب قطاع النفط العراقي، وهو ما تعتبره واشنطن خطًا أحمر.
ورغم هذا الزخم، يرى مراقبون أن التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل بين العراق وتركيا يبقى صعبًا، وأن ما نشهده اليوم قد يقتصر عمليًا على تعاون فني وإداري أكثر منه اتفاقًا قانونيًا. فالعراق سبق ووقع في الأمم المتحدة على اتفاقية تشاطر المياه، ما يعني اعترافه بدجلة كـ "نهر دولي"، بينما ترفض تركيا ذلك، وتصرّ على اعتبار دجلة نهرًا تركيًا عابرًا للحدود، يُحدّد نصيب العراق منه عبر التفاوض الثنائي وليس بموجب قانون دولي ملزم. وبحسب هؤلاء المراقبين، قد تدفع أنقرة بغداد تدريجيًا نحو قبول هذه المقاربة عبر تقديم عروض عملية مغرية، منها دخول شركات تركية لإدارة المياه داخل العراق، وبناء السدود والخزانات وتنظيم التدفقات، مقابل حصول بغداد على كميات إضافية من المياه.
وفي الإطار الأوسع، لا يُستبعد أن يشكّل التعاون المائي مدخلًا لتعاون استراتيجي في مجال الطاقة، إذ تشير تقديرات إلى أن النفط العراقي يُعاد تصديره عبر تركيا، ما يمنح أنقرة مكاسب مالية ضخمة من رسوم العبور، ويتيح لها الحصول على النفط العراقي بدل استيراده من روسيا، وهو ما ينسجم مع توجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحد من نفوذ موسكو في سوق الطاقة.
بعيدًا من الانعكاسات الإقليمية، وُصف الاتفاق بالتاريخي لثلاثة أسباب أساسية. أوّلًا، لأنه يشكّل أوّل اعتراف تركي عملي بحقوق العراق المائية. ثانيًا، لأنه يضع كميات واضحة ومنتظمة لتدفق المياه، ما ينهي مرحلة الخفض المفاجئ الذي طالما أثر على الأمن الغذائي العراقي. أمّا ثالثًا، فلأنه يؤسّس لإطار إدارة مشتركة يشمل تبادل معلومات لحظية، ونظام إنذار مبكر، وتنسيقًا لتشغيل السدود.
في الواقع، تعدّ بغداد الاتفاق خطوة جوهرية نحو حماية أمنها المائي والغذائي، خصوصًا أن العراق يُعد من أكثر الدول هشاشة مائيًا في العالم. فالاستقرار في تدفق المياه يعني إنقاذ قطاعات حيوية مثل الزراعة، وإحياء الأهوار، وتحسين إنتاج الكهرباء المائية، والحد من موجات النزوح المرتبطة بالجفاف.
في الخلاصة، اتفاق المياه بين العراق وتركيا ليس مجرّد تفاهم تقني، بل حدث يعيد رسم ميزان النفوذ في المنطقة. فهو ينتزع من إيران إحدى أهم أوراقها، ويمنح تركيا موقع الشريك الاستراتيجي لبغداد، ويفتح الباب أمام ترتيبات أوسع تشمل الطاقة، فيما تظهر البصمة الأميركية بوضوح خلف تفاصيله. وهكذا يتحوّل الماء من عنصر صراع إلى أداة لإعادة تشكيل السياسة في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.