باريس
بعد أكثر من عقد من الحرب تواصل السلطة الجديدة في سوريا السير بخطى حثيثة نحو إعادة دمج البلاد في المنظومة الدولية في مشهد يحمل اليوم تفاؤلا بطي النزاعات الداخلية والإقليمية والانطلاق في عادة بناء مدن مدمَّرة واقتصاد منهار ومجتمع يحاول إعادة بناء نفسه على أسس وطنية حديثة بينما تعود أعداد متزايدة من اللاجئين على الرغم من معاناة الوضع الاقتصادي وغياب الخدمات العامة.
على الرغم من غياب العنف الواسع، لا تزال البلاد مهدَّدة بألغام كثيرة: آلاف مقاتلي تنظيم "داعش" وعائلاتهم موجودون على الأرض السورية بأسلحتهم وعتادهم و محاولات ايرانية لا تتوقف لاستعادة نفوذها بينما تواصل إسرائيل استهدفتاها العسكرية ويزداد التنافس التركي - السعودي على اقتسام النفوذ في البلاد. ومع ذلك، تشهد دمشق حراكًا دبلوماسيًا غير مسبوق، وتفكر في الانضمام إلى التحالف الدولي ضد "داعش"، في مؤشر إلى رغبتها في كسر عزلتها.
الولايات المتحدة، التي أبقت على عقوباتها لسنوات طويلة، تجد نفسها أمام خيارات استراتيجية حساسة. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب استبق استقباله نظيره السوري احمد الشرع اليوم في البيت الأبيض، بالاعلان عن خطوات لرفع العقوبات بالتدرج عن دمشق، وسط دعوات لإعادة تفعيل الوجود الدبلوماسي الأميركي في سوريا وإعادة فتح السفارة الأميركية وتوجيه المساعدات لإعادة اعمار، تقدَّر تكلفتها بكا بين 400 و700 مئة مليار دولار. لكنّ كثيرين يحذرون من الإفراط في التفاؤل، إذ إن رفع العقوبات من دون شروط واضحة قد يبدّد آخر أوراق الضغط الأميركية في المنطقة.
زيارة الشرع واشنطن محطة من محطات زيارات عواصم عدة تعيد سوريا الجديدة الى خارطة العالم وتعيد ربط علاقات تعاون مع بلدان مؤثرة وقادرة على مساعدة الحكم الجديد في دمشق، وفي لبنان اطلقت حكومة نواف سلام حصر السلاح بيد المؤسسات الأمنية التابعة للدولة كمدخل لوقف الحروب على ارض البلاد ولإعادة تكوين حكم على أسس معاييرالحكم المتعارف عليها دوليا ولإعادة لبنان الى حضن المجتمع الدولي بدءا بمعالجة ملفي صراعين داما سنوات ،الأول تطبيع العلاقات مع سوريا والثاني حماية البلاد من حروب جديدة مع اسرائيل.
لبنان يبدو على عتبة تحوّل أمني وسياسي تاريخي ولكنه لم ينطلق بعد بزخم مماثل لزخم انطلاقة سوريا الجديدة، وان كان حقق بعض التقدم على صعيد جمع السلاح من مخازن ومواقع حزب الله في الجنوب، حيث تمّت إزالة آلاف الصواريخ والمقذوفات، فان التحدي الأكبر يبقى في استكمال خطة حصر السلاح على كامل الأراضي اللبنانية وحصر القرار السياسي بالسطات الشرعية المختصة.
الرئيس اللبناني جوزاف عون يحاول استثمار هذا الواقع الجديد لتقوية دور الدولة وتوسيع سيطرة الجيش، لكنه يصطدم بالتردد الإسرائيلي واستمرار الغارات الجوية، وبخطاب تصعيدي من حزب الله ورفع سقف التحدي والمطالب ، مما يهدد بتقويض المسار الهش نحو التهدئة. وتحتفظ واشنطن بدور محوري في تدريب الجيش اللبناني ودعم رواتبه، معتبرة أنّ تعزيز مؤسسات الدولة هو السبيل الوحيد لمنع عودة "حزب الله" أو قوى الفوضى إلى الواجهة. ولكن أصواتا عدة في الإدارة الأميركية بدات ترتقع اما محذرة او مهددة بالعودة الى سيناريوهات الحروب السابقة، كما تهدد اسرائيل يوميا وتحذر اكثر من عاصمة صديقة للبنان او ملوحة بالتخلي الدولي عن لبنان، الدولة الفاشلة كما وصفه توم باراك.
يذهب احمد الشرع الى واشنطن لطي صفحة عزل سوريا ومعاقبتها وللعودة بخارطة طريق بمليارات الدولارات مصادق عليها لنهضة سوريا اقتصاديا واجتماعيا، ويذهب جوزف عون الى بلغاريا وسط مطالب متكررة باجراء الإصلاحات وحصر السلاح للحصول على المساعدة العربية والدولية.
في خلاصة المشهدين، تبدو سوريا خارجة من الحرب ومنهكة تبحث عن شرعية جديدة، ولبنان يحاول استعادة سيادته تحت إشراف دولي غير معلن. كلا البلدين يعكسان شرقًا أوسط متقلّبًا تتداخل فيه ملفات الإعمار، الأمن، والشرعية السياسية، في لحظة ترى فيها واشنطن فرصة نادرة لإعادة رسم نفوذها في المشرق، إن أحسنت إدارة التوازن بين الواقعية والطموح وان احسن الحكم الجديد في كل من دمشق وبيروت التعامل مع المعطيات الجديدة برؤية جديدة.