في رحاب "كنيسة القديس يوسف للآباء اليسوعيين" في الأشرفية، وبدعوة من رئيسة "المعهد الوطني العالي للموسيقى" المؤلِّفة الموسيقيّة هبة القواس، اجتمعت "الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية" بقيادة المايسترو لبنان بعلبكي، مع عازف البيانو العالمي والمؤلِّف الموسيقي عبد الرحمن الباشا، لتقديم أمسية استثنائية شكلت بيانًا موسيقيًّا بليغًا في قوة الفن وسمو الذائقة.
افتتحت الأمسية المبهرة رئيسة "الكونسرفتوار" هبة القواس بكلمة قالت فيها: "الليلة، نحنُ في حضرةِ موسيقي كبير حملَ اسمَ لبنان إلى المسارح الكبرى، وجعل من العزفِ صلاةً تُقال بين الأصابع. إنه عبد الرحمن الباشا. رمزُ العبقرية اللبنانية التي تمزجُ بين الأصالةِ والكونيّة، بين حسِّ الأرض ونَفَسِ الروح، بين التقنية والرؤيا. وحين تمتدُّ أنامله فوق مفاتيحِ البيانو، تُصبحُ الجملة الموسيقية اعترافًا إنسانيًّا، وتشهد النغمات على حوارٍ بين الإنسان والمطلق، بين لحظةٍ زائلةٍ وأبدٍ لا ينتهي... وتشرقُ من جديد "الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية الوطنية"، برؤيةٍ متماسكةٍ، وبنبضٍ يعيدُ تعريفَ العزف الجماعيّ كحوارٍ بين الأرواح بقيادة المايسترو المتميّز لبنان بعلبكي، الذي يقودها بعقلٍ موسيقيّ ناضج، وروحٍ تنبضُ بالشغف والانضباط، يقود العازفين برهافة الفكر ودقة الحسّ، فيتحد الجميع في لغةٍ واحدةٍ تتجاوز الكلمات".
وفي بصمته كمؤلِّف، افتتاحًا بعمله الخاص (Pelerins, Prélude et Choral) "الحُجّاج، مقدّمة وترتيلة"، كان تقديمًا لهوية الموسيقي متعدد الأبعاد، حيث يظهر التعبير عن الهوية الثقافية كمزيج من الشرق التأملي والغرب المُنظم، فيُصبح عزفه حوارًا فلسفيًّا حول الانتماء والرحلة الداخلية. وهو العمل الذي كتبه حصريًّا للوتريات، فحمل عزف الأوركسترا ثقلًا ميتافيزيقيًّا، يصور "التأمل في صحراء من القلق الإنساني والأمل في الحب الكوني".
وفي أداء كونشرتو موزارت رقم 23 للبيانو والأوركسترا، تجاوز الباشا حدود التقنية ليغوص في جوهر الموسيقى، مجسّدًا الروح الموزارتية بامتياز. وتواصل الإيحاء الروحي في عزفه (Spiritual Resonance) في تجريد للحالة الإنسانية من القلق والبحث عن السكينة. وفي الحركة الختامية (Allegro assai)، انفجرت الطاقة، لكنها كانت طاقة موجهة ومنضبطة، تنضح فرحًا ورقصًا، مثبتًا أن العبقرية هي الجمع بين أعلى مستويات التقنية وأعمق درجات التعبير.
أما العصب النابض للأمسية فكان المايسترو لبنان بعلبكي الذي أثبت مجدّدًا أنه قائد عصري بلمسة كلاسيكية متفردة، يمتلك القدرة على بناء الجسر بين العمل الفردي للباشا وبين التجسيد الجماعي للأوركسترا. فمنذ انطلاق العزف وصولًا إلى تحفة السمفونية الخامسة لبيتر إليتش تشايكوفسكي، قاد بعلبكي الأوركسترا بتمكن ومهارة، فجمعت هذه الأمسية بين مثلث فني رفيع: عبقرية عبد الرحمن الباشا في البيانو والتأليف، إحكام لبنان بعلبكي في القيادة، والتزام "الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية".