الياس دمّر

من مُفترسٍ بلا رحمة إلى بطلٍ مُنقذٍ

الصيّاد فريسة ذاته في "Predator: Badlands"

3 دقائق للقراءة

بعد قرابة أربعة عقودٍ على ظهور أوّلِ فيلمٍ من سلسلة "Predator"، يعود المُخرج الأميركي الجريء Dan Trachtenberg مرّة ثالثة إلى هذا العالم، ليُقدِّم رؤية جديدة في فيلمه "Predator: Badlands"، ويُعيد بنجاح تشكيل الأسطورة التي رافقت أحد أشهر الكائنات الفضائيّة في تاريخ أفلام الخيال العلميّ. لكن الجديد هذه المرّة ليس في التقنيات ولا في دمويّة الصيد، بل في زاوية الرؤية، إذ إنها المرّة الأولى التي يُصبح فيها "Predator" نفسه هو البطل، فيما يغيب الإنسان بشكل كلّي تقريبًا عن الحكاية!

يدور الفيلم حول شخصية "Dek" (بدوره Dimitrius Schuster-Koloamatangi)، أحد مُحاربي قبيلة "Yautja"، الذي يُطرد من مجتمعه لأنه يُعتبر غير لائق بالتقاليد القتاليّة لقبيلته. يُرسَل إلى كوكب موحش يُعرف باسم "Genna" أو "The Death Planet"، ليخوض اختبار البقاء الأخير في مواجهة مخلوق أسطوريّ يُدعى "Kalisk". لكن الرّحلة لا تسير كما يُخطَّط لها، إذ يلتقي "Dek" بشخصيّة "Thia" (تؤديها الممثلة Elle Fanning) تابعة لشركة "Weyland-Yutani"، تضرّرت في مهمّةٍ سابقة. بذلك يبدأ بينهما تحالف متوتر، يتحوّل تدريجيًّا إلى علاقة تتجاوز حدود اللّغة والتكوين والبرمجة.

هذا التحوّل في السّرد يُعدّ قلبًا كاملًا لمعادلة السّلسلة الأصليّة، حيث لم يعد الإنسان هو الكائن الضعيف، بل الصيّاد ذاته. بذلك، لا يُعيد الفيلم إنتاج المواجهة المعتادة بين حضارتَين، بل يتأمّل في معنى القوّة والهويّة داخل مجتمع يؤمن بأن الضعف خطيئة.


عمق درامي وضخامة بصريّة

يستثمر المُخرج دان تراشتنبرغ في الجانب الدرامي للشخصيّات أكثر من أي جزءٍ سابق. "Dek" الذي يبحث عن اعتراف من قومه، يتحوّل مرحليًّا إلى رمز للتمرُّد على المفهوم القبلي للقوّة. أما "Thia"، فتُمثل الوجه الآخر للعقل المُبرمج الذي يتعلَّم أن يشعر، لتُصبح مرآةً وجوديّة لبطلٍ لا يعرف كيف يكون كائنًا خارج قواعده. في حوار لافت بينهما، تُذكّره بأن الزعيم الحقيقي ليس من يقتل أكثر، بل من يحمي أكثر... عبارة تُلخص جوهر الرؤية الإنسانيّة للفيلم، وسط عالم مليء بالعنف والصّيد.

من الناحية البصريّة، ينجح الفيلم في بناء بيئة غريبة ومبهرة لكوكب "Genna"، بمخلوقات ونباتات تبدو كأنها تلتهم المُشاهد نفسه. تصميم الكائنات والأزياء يحافظ على هويّة السّلسلة، بينما يُضيف تفاصيل تُقرّبها من الحسّ الأسطوري أكثر من العلميّ.

يميل "Predator: Badlands" إلى تصنيف "PG-13"، وهو قرار مفاجئ لسلسلة لطالما اتسمت بالعنف المفرط. غير أن هذا التخفيف يخدم رؤيته الجديدة، في التركيز على الدراما والمعنى أكثر من الدماء. كما أن الفيلم يدمج إشارات دقيقة لعالم سلسلة "Alien" عبر شركة "Weyland-Yutani"، من دون أن يتحوّل إلى جزءٍ من عالم مُشترك (Shared Universe)، بل إلى حكاية مستقلّة ذات بُعد تأمّلي.


من أفضل أفلام العام

فيلم "Predator: Badlands" ليس مجرَّد فصل جديد في سلسلة "أكشن"، بل تجربة هويّة لكائن اعتدنا رؤيته قاتلًا بلا رحمة. يضعنا الفيلم أمام سؤال وجوديّ مُضمَر: من هو الصيّاد حقًا؟ وهل القوّة غاية، أم وسيلة للبقاء فقط؟ بإيقاع متوازن بين المغامرة والتأمّل، بين الوحشيّة والعاطفة، يُقدّم تراشتنبرغ أحد أكثر أفلام الخيال العلمي لعام 2025 نضجًا من الناحية الفكريّة والبصريّة. ففي النهاية، يبدو أن الصّيد الحقيقي في هذا العالم القاسي ليس للفرائس، بل للمعنى ذاته.

للاستمتاع بطموح المؤثرات البصريّة المميّزة، ننصح بمُشاهدته في أكبر صالة سينمائيّة من اختياركم، مثل "IMAX" ومثيلاتها.