أطلق رئيس الجمهورية مسار المفاوضات مع إسرائيل من دون خطة عمل واضحة ولا آلية تحدد كيفية سير هذه المفاوضات أو أهدافها. خطوة بدت للبعض جريئة، لكنها في العمق تُثير أكثر مما تُجيب، إذ تفتح الباب على تساؤلات حول موقع الدولة اللبنانية بين الواقع الميداني والسياسي المعقد الذي يعيشه لبنان اليوم.
ففي اللحظة التي كان يُفترض أن تتوحّد فيها المؤسسات الدستورية خلف رؤية تفاوضية واحدة، خرج "حزب الله" ليُعلن موقفًا حادًا، موجّهًا رسائل واضحة إلى الرؤساء الثلاثة، مفادها أنه لا نية لديه بتسليم السلاح، ولا استعداد للتفاوض حوله. هنا يتجلّى التناقض الأخطر في المشهد: طرف شرعي يُفاوض باسم الدولة، وطرف مسلّح يفرض شروطه عليها من خارج الإطار الدستوري.
الإسرائيلي، من جهته، رفض المضي في أي مفاوضات قبل معالجة مسألة السلاح، معتبرًا أن لا إمكانية لأي اتفاق ما دامت هناك منظومة عسكرية مستقلة تُعيد التموضع وتُعيد التسلّح على الحدود. فالمعادلة باتت واضحة: لا تفاوض جدّي من دون حسم معادلة السلاح غير الشرعي.
لكن الأخطر أن "حزب الله" لا يبدو في موقع من يملك القرار النهائي. فموقفه الأخير لا يُقرأ فقط في سياق لبناني داخلي، بل في سياق إقليمي أوسع، حيث القرار الحقيقي مرتبط بإيران وبحساباتها في المنطقة. هذه التبعية تجعل من لبنان ساحةً مفتوحة أكثر منه طرفًا فاعلًا، وتحوّل الموقف اللبناني إلى ورقة تفاوض إقليمية أكثر من كونه قرارًا سياديًا مستقلًا.
في المقابل، بدأ المجتمع الدولي يُعبّر بوضوح عن تراجع ثقته بالدولة اللبنانية ومؤسساتها. فزيارة الوفد الأميركي الرفيع من وزارة الخزانة الأميركية إلى بيروت، برئاسة نائب وزير الخزانة لشؤون الإرهاب والمعلومات المالية جون هيرلي (John Hurley)، وبمشاركة مسؤولين في مجال مكافحة تمويل الإرهاب، لم تكن زيارة بروتوكولية، بل أتت محمّلة برسائل مباشرة وحازمة.
الرسالة الأساسية كانت واضحة: المجتمع الدولي يراقب بدقة حركة الأموال والسلاح في لبنان، ولن يتسامح مع استمرار شبكات التهريب التي تُموّل وتُعيد بناء ترسانة "حزب الله". تقارير غربية حديثة أشارت صراحة إلى نشاطات مالية مشبوهة تُدار تحت غطاء سياسي وأمني، في ظل غياب أي موقف رسمي لبناني يبدّد الشكوك أو يردّ على الاتهامات.
لبنان اليوم تحت المجهر الدولي، وكل حركة تُرصد وتُسجّل. لم يعد مقبولًا أن يُختبأ خلف شعارات المقاومة فيما تُستباح السيادة من الداخل وتُقوَّض الثقة من الخارج.
في خضم هذا المشهد، يُطرح السؤال الأبرز: أين الجيش اللبناني من كل ما يجري؟
فهو المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تحظى بثقة لبنانية شبه جامعة، والمُكلّفة رسميًا من قبل مجلس الوزراء بمتابعة تنفيذ قرارات الدولة، وضمان الأمن والاستقرار، ومواكبة أي مسار تفاوضي ضمن الأطر الشرعية.
لكن الواقع يُظهر أن تنفيذ هذا التكليف يصطدم بعقبات كبيرة. فوجود قوة مسلحة خارج سلطة الدولة يضع الجيش في معادلة صعبة: من جهة، عليه أن يُطبّق قرارات الحكومة ويؤمّن السيادة؛ ومن جهة أخرى، يُدرك أن أي احتكاك مباشر مع "حزب الله" قد يُفجّر الداخل ويعيد البلاد إلى مشهد الحرب الأهلية.
لذلك، يتحرك الجيش اليوم ضمن هامش بالغ الدقة، يوازن بين الحفاظ على الأمن ومنع الانفجار، وبين التمسّك بشرعية الدولة وقراراتها. لكن هذا التوازن لا يمكن أن يستمر طويلًا إذا بقيت الدولة عاجزة عن فرض سلطتها السياسية فوق سلطات الأمر الواقع.
الجيش اللبناني اليوم ليس عاجزًا عسكريًا، بل هو مكبّل سياسيًا. قوته في شرعيته، وضعفه في غياب القرار السياسي الواضح خلفه. فإذا لم تُرفد القيادة العسكرية بغطاء سيادي شامل، سيبقى الجيش حارسًا لفراغ، يضبط الأمن في الوقت الضائع، فيما الصراع الحقيقي يُدار فوق رأسه.
لقد عرف لبنان محطات كثيرة في تاريخه كانت السيادة فيها على المحك: من الاجتياح عام 1982 إلى مرحلة الوصاية السورية، وصولًا إلى انسحاب العام 2000. لكن الفارق اليوم أن الخطر داخلي بقدر ما هو خارجي، وأن الانقسام لم يعد سياسيًا فحسب، بل أصبح وجوديًا يتعلق بقدرة الدولة على البقاء ككيان موحد له قرار واحد وسلاح واحد.
من موقع القراءة الواقعية، يمكن القول إن لبنان يعيش لحظة أمنية دقيقة شبيهة بما قبل الانفجار. فاستمرار غياب القرار السيادي سيُبقي لبنان عالقًا بين فكَّي كماشة: ضغط إسرائيلي متصاعد، وضغط داخلي يفرض نفسه بالسلاح والمال، فيما الدولة تُستنزف في موقع المتفرّج.
إن إنقاذ لبنان اليوم لا يمرّ بالمفاوضات الشكلية ولا بالبيانات السياسية، بل بقرار وطني جريء يعيد الاعتبار للدولة وحدها، ويُعيد للجيش دوره الكامل كحارسٍ للسيادة لا كضابط إيقاع بين الأزمات.
فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تتردّد أمام مصيرها.
باحث سياسي وعسكري