يُشكّل فيلم "Highest 2 Lowest" عودة صريحة للمخرج Spike Lee إلى ميدانه الأساسي، ضمن السّينما كأداة مساءلة اجتماعيّة وأخلاقيّة. الاقتباس الجديد ليس إعادة إنتاج لفيلم "High and Low" (إنتاج العام 1963)، للمُخرج "المعلِّم" Akira Kurosawa، بقدر ما هو تحويل بنيويّ وفكريّ له. ينقل الصّراع من مجتمع صناعي يابانيّ في منتصف القرن الماضي إلى بيئة أميركيّة معاصرة، تُعرِّف نفسها عبر المال والنجاح والموسيقى.
ينطلق الفيلم من حادثة اختطاف، لكن الحدث البوليسي ليس سوى واجهة لأزمة أعمق. "David King" (بدَوره النجم Denzel Washington)، قطب صناعة موسيقى سوداء في نيويورك، يجد نفسه أمام خيارٍ مُستحيل: دفع فدية لإنقاذ شابٍ ليس ابنه. السّؤال الذي يطرحه المُخرج لي ليس جديدًا، لكنه يعالجه من زاوية مختلفة: هل بقي للضمير مكان في عالم تقاس فيه القيمة بالدولار؟
البُنية السرديّة للفيلم منضبطة، تعتمد تصاعدًا عقلانيًا أكثر من الانفعال. الحوار مقتصد، متوتر ولا يترك مساحة للعاطفة. منذ البداية يضع لي المُشاهد في موقع القاضي لا المُتفرّج. القصة، في جوهرها، عن رجل يكتشف أن امتلاك القمّة لا يحميه من السّقوط، وأن كلَّ نجاح غير محكوم ببُعد أخلاقي يتحوّل إلى عبء.
إخراج من مسافة آمنة
إخراج سبايك لي يبتعد هذه المرّة عن الانفعال الخطابيّ، ليتخذ أسلوبًا هندسيًا محسوبًا. الكاميرا تُراقب، ولا تتدخل. الضوء قاسٍ ومباشر، والألوان تميل إلى الرّمادي المعدني في مشاهد الثراء، وإلى الأصفر العطب في مشاهد الفقر. التناقض البصريّ بين البيوت الزجاجيّة في أعالي مانهاتن والأحياء المتآكلة في برونكس يُعبّر بوضوح عن الفجوة الطبقيّة التي يقوم عليها البناء الدرامي. يستخدم لي المدينة ككيان مستقل، أشبه بشخص ثالث يُراقب الصّراع بين الأعلى والأدنى. الإيقاع مضبوط بإصرار، لا مكان للزينة أو الانفعال المجاني. حتى الموسيقى التصويرية، عبارة عن مزيج من الجاز والهيب هوب، وتُستخدم كمؤشر سرديّ، لا كعنصر تزيينيّ.
على الرغم من انضباط البناء البصريّ وإحكام التكوينات المشهديّة، فإن سبايك لي في هذا الفيلم يبدو كأنه يراقب مادّته من مسافة آمنة أكثر ممّا يعيشها. إخراجه هنا عقلانيّ إلى حدّ البرود، محكوم بالهندسة لا بالعصب، وكأن المُخرج الذي اعتدنا طاقته الاحتجاجيّة قد استبدل الغضب بالملاحظة الأكاديميّة! المشهد مُتقن تقنيًا، لكنه يفتقد إلى نبض الشارع الذي شكّل جوهر سينماه السّابقة. لقد صنع لي فيلمًا أنيقًا عن الفوضى، لكنه جرّد الفوضى من روحها.
حساب أخلاقيّ بارد
يتعامل الفيلم مع الطبقيّة لا بوصفها فرقًا في الثروة، بل كاختلالٍ في المنظور. الأعلى لا يرى الأدنى، والأدنى لا يملك أدوات الرؤية. حين يُختطف الابن الخطأ، يتعرّى النظام بأكمله. المال، السّلطة، الشهرة والعدالة، كلّها تتداعى أمام سؤال بسيط: ما هو الثمن الحقيقيّ للإنسان؟
يختار سبايك لي عدم تقديم إجابة جاهزة. في النصف الثاني من الفيلم، يتحوّل الإيقاع إلى تأمُّل بطيء في انهيار القيم، وكأن المُخرج يريد أن يقول إن السّقوط لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر سلسلة من التنازلات اليوميّة التي يُبرّرها النجاح. "Highest 2 Lowest" فيلم صارم، محسوب وخالٍ من العاطفة المُفرطة. يضع المُتفرّج أمام مرآةٍ قاسية لعالم لا يرحم، ويُذكّره بأن السقوط من القِمّة لا يحتاج إلى مؤامرة، بل إلى قرارٍ صغيرٍ واحدٍ يتخلّى فيه الإنسان عن مبادئه. قد لا يُرضي مُحبّي التشويق السّريع أو الميلودراما، لكنه يُقدِّم ما تفتقر إليه معظم أفلام السّينما التجاريّة اليوم: التفكير الأخلاقي عبر الصّورة!
تشاهدونه على منصّة "+Apple TV".