أندريه مهاوج

أبو مازن في باريس تكريسًا للاعتراف بدولة فلسطين

3 دقائق للقراءة
عباس وماكرون (رويترز)
باريس

يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره الفلسطيني محمود عباس اليوم، في إطار زيارة رسمية تأتي في سياق متابعة الأوضاع الفلسطينية بعد قمة شرم الشيخ في 13 تشرين الأوّل الماضي حيث وقعت وثيقة اتفاق غزة لضمان إنهاء الحرب بين إسرائيل و"حماس"، وبعد أقلّ من شهرين على المؤتمر الدولي من أجل تنفيذ حل الدولتين برئاسة فرنسا والمملكة العربية السعودية. كما تأتي هذه الزيارة في إطار تنفيذ "خطة السلام والأمن للجميع في الشرق الأوسط"، وفقًا لما جاء في بيان قصر الإليزيه.

الرئيس ماكرون "سيؤكد في هذه المناسبة تمسّك فرنسا بالتطبيق الكامل لهذا الاتفاق، وبضمان استمرار وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة"، وفق الإليزيه، الذي أوضح أن "جدول أعمال اللقاء يشمل البحث في الخطوات المقبلة في خطة السلام، خصوصًا في مجالات الأمن والحكم وإعادة الإعمار، بالتعاون مع الشركاء العرب والدوليين، وذلك من أجل التحضير لما يُعرف باليوم التالي".

تأتي هذه الزيارة في لحظة دقيقة وتعدّ من أوائل التحرّكات الدبلوماسية الرفيعة المستوى بعد دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، ما يجعلها بمثابة اختبار فعلي لدور فرنسا الجديد في مرحلة "ما بعد الحرب" في غزة. فرنسا، بعد اعترافها الرسمي بدولة فلسطين في أيلول الفائت، تسعى إلى تحويل الاعتراف إلى سياسة عملية، من خلال الإسهام في صياغة آليات السلام، وضمان مشاركة السلطة الفلسطينية في إعادة إعمار غزة وإدارة المرحلة الانتقالية.

بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية، يشكل اللقاء فرصة حيوية لإعادة تثبيت شرعيتها كممثل رسمي للشعب الفلسطيني أمام المجتمع الدولي، وللحصول على دعم أوروبي مباشر يوازي الضغوط الأميركية والإسرائيلية، ولفتح أفق جديد أمام السلطة في ملف إعادة الإعمار في وجه محاولات تهميشها أو تخطيها. هذا في وقت تمرّ فيه العلاقات الفرنسية - الإسرائيلية بمرحلة من التشنج السياسي بسبب مواقف باريس من حرب غزة ودعوتها إلى وقف تصدير السلاح إلى إسرائيل واعترافها بالدولة الفلسطينية.

تتحرّك فرنسا بالتنسيق مع مصر وقطر والأردن والسعودية، التي تعمل على تثبيت وقف النار وتهيئة الأجواء السياسية، وكذلك مع الاتحاد الأوروبي الذي يسعى إلى بلورة مبادرة سلام أوروبّية مستقلّة نسبيًا عن الولايات المتحدة، حفاظًا على مكان للدول الأوروبّية في الخارطة الجيوسياسية المستقبلية، خصوصًا أن الاتحاد الأوروبي يتصدّر الدول الغربية من ناحية تقديم المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين .

تراهن فرنسا أيضًا على لعب دور "الضامن الأوروبي" بين الأطراف المتنازعة وبناء جسر سياسي وإنساني بين الأوروبّيين والفلسطينيين خصوصًا والدول العربية عمومًا. كما تعمل على الدفع في اتجاه حل الدولتين عبر دعم مؤسسات الدولة الفلسطينية وتقديم مساعدات إنمائية موجّهة، وتريد أن تكون الوسيط الأكثر توازنًا في مرحلة ما بعد الحرب، بخلاف الدور الأميركي الذي يميل إلى مجاراة إسرائيل. ومن المحتمل أن تُطلق باريس، بالتعاون مع القاهرة وبروكسل، مؤتمرًا للسلام وإعادة الإعمار خلال النصف الأول من السنة المقبلة.

تمثل زيارة عباس إلى قصر الإليزيه نقطة تحوّل دبلوماسية بعد وقف النار في غزة. فهي تضع فرنسا في صدارة الجهود الأوروبّية لإعادة بناء الثقة وإحياء المسار السياسي وتمنح السلطة الفلسطينية فرصة لإعادة التموضع كلاعب أساسي في ترتيبات "اليوم التالي"، كما تؤسّس لمعادلة جديدة في الشرق الأوسط يكون فيها الدور الأوروبي أكثر استقلالًا وفعالية، بعد سنوات من الغياب أو التهميش.