جاد الاخوي

وفد الخزانة الأميركية في بيروت… وضجيج "مليار دولار من إيران": تدقيق مالي أم اختبار استخباراتي؟

4 دقائق للقراءة

وصل وفد من وزارة الخزانة الأميركية إلى بيروت في توقيت لا يمكن وصفه بالعابر. لبنان يعيش انهيارًا مصرفيًا غير مسبوق، وخنقًا في النظام المالي، وقلقًا دوليًا من استخدام الاقتصاد النقدي في تمويل أطراف خاضعة للعقوبات الأميركية. رسمياً، الهدف متابعة التزام لبنان بقوانين مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. عملياً، الزيارة تحمل رسائل سياسية، وترتبط مباشرة بالتوتر على الحدود الجنوبية والنفوذ الإيراني في لبنان.

أولاً: ما الذي أراد الأميركيون قوله؟

في الاجتماعات مع مسؤولين رسميين وممثلين عن القطاع المصرفي، ركّز الوفد على ثلاث نقاط:

1. إصلاحات حقيقية مقابل أي دعم مالي أو إعادة وصل مع الخارج

واشنطن لا تريد تعهدات لفظية. طُلب تدقيق شفاف في مصرف لبنان، قوانين مكافحة الفساد، وحماية النظام المصرفي من التدخلات السياسية. بمعنى واضح: لا مصارف بلا إصلاحات، ولا استثناءات تحت عنوان “الظروف الاستثنائية”.

2. العقوبات باقية وتتوسّع

الوفد أكّد أن البرنامج العقابي على الأفراد والمؤسسات في لبنان يسير بلا توقف. أي جهة – مصرفية، تجارية، صيرفية أو سياسية – تُتهم بتمويل نشاطات محظورة ستوضع على لوائح الخزانة فوراً. وهذا يشمل أدوات “الاقتصاد النقدي” التي توسعت بعد انهيار القطاع المصرفي.

3. الصراع الإقليمي جزء من الحسابات المالية

الأميركيون لم يخفوا أن ما يجري جنوباً، ووجود قنوات تهريب عبر الحدود مع سوريا، وعلاقة حزب الله بالاقتصاد، كلها عوامل تؤثر في تقييم أي خفف للعقوبات أو انفتاح مالي على لبنان.

ثانياً: التسريب الأبرز… “مليار دولار من إيران”

تزامنت الزيارة مع تسريبات إعلامية عن ضخ إيران مليار دولار لحزب الله. سواء كانت المعلومة مؤكدة أو مبالغاً فيها، إلا أن توقيتها ليس بريئاً. الرقم ضخم بما يكفي لإثارة ردود فعل سياسية ومالية، ويطرح سؤالاً مركزياً:

هل هذا التسريب طُعم لاختبار رد الفعل الأميركي والمصرفي؟

هناك ثلاثة احتمالات:

• تمويل فعلي لتعويض خسائر وتوسيع شبكة الدعم الاجتماعي والسياسي في لحظة انهيار لبناني شامل.

• رسالة إيرانية بأن العقوبات لم تمنع استمرار التمويل.

• معلومة استخباراتية مُسرّبة عمداً لرصد التحركات المالية داخل لبنان: من يتلقى؟ من يحوّل؟ أي شبكات تُنشّط؟ وأي مصارف أو صيارفة تتورط؟

بهذا المعنى، تبدو واشنطن وكأنها تمسك الملف المالي كأداة “مراقبة” و”خنق تدريجي”، وليس كمعركة عقوبات فقط.

ثالثاً: ردود الفعل المحلية

• السلطة اللبنانية تعاملت مع الزيارة بصيغة دبلوماسية باهتة. بيانات عن “التعاون مع المجتمع الدولي”، لكن بلا إجراءات واضحة. خلف الستار، يدرك الجميع أن أي عقوبات إضافية ستعرقل الاستيراد والتحويلات، ما يهدد ما تبقى من الدورة الاقتصادية.

• المصارف أبدت قلقاً صريحاً. فهي تريد إعادة فتح خطوط التراسل مع الخارج، لكنّها تعلم أن أي اشتباه جديد سيفتح باب المحاسبة الأميركية. البعض يرى الزيارة فرصة أخيرة للإنقاذ، والبعض الآخر يعتبرها ضغطاً خانقاً قد يسرّع تفكك القطاع.

• الأحزاب المعارضة رحبت بالضغط الأميركي، معتبرة أنه قد يكون الطريقة الوحيدة لدفع السلطة لإصلاحات لا تريد القيام بها طوعاً.

• حزب الله لم يصدر تعليقاً رسمياً، لكن أوساطه الإعلامية تحدثت عن “ضغوط أميركية لاستكمال الحصار”. في المقابل، تقول واشنطن إن هدفها حماية النظام المالي من الاستخدامات غير الشرعية، وليس استهداف الطائفة أو الاقتصاد اللبناني ككل.

رابعاً: الموقف الدولي

• واشنطن تستخدم المال كسلاح سياسي: تجفيف التمويل أخطر من الحرب العسكرية.

• الاتحاد الأوروبي يتقاطع مع الأميركيين في مطلب الشفافية، لكنه يترك المبادرة لواشنطن.

• الخليج ينتظر إصلاحات قبل أي استثمارات أو دعم. لا ثقة في النظام المالي اللبناني طالما لا رقابة ولا محاسبة.

إذًا زيارة وفد الخزانة الأميركية ليست تدقيقاً تقنياً. إنها فصل جديد من الحرب المالية. تسريب “مليار دولار” من إيران ليس مجرد خبر، بل جزء من لعبة مراقبة واختبار. لبنان أمام خيارين:

• الالتزام بالإصلاحات واستعادة الثقة الدولية،

• أو البقاء في عزلة مالية مفتوحة، وباقتصاد نقدي هشّ يمكن حشره في الزاوية في أي لحظة.

في نهاية المطاف، من الواضح أن واشنطن لا تنتظر تغييراً سياسياً في لبنان كي تتحرك: يكفيها أن تشدّ على نقطة ضعفه الكبرى — النظام المالي — لتفرض شروطها.