أعشق الأمثال الشعبية، وخصوصًا تلك "الزقاقية" لأنها أبلغ أسلوب لإيصال الأفكار بأقل قدر ممكن من الكلمات، وبأسلوب شعبي "ع البساطة".
تلك الأمثال يظن البعض أنها مجرّد كلام تتناقله الأجيال ومصدره الماضي، صدر من أفواه أناس سذج وبسطاء. لكن الحقيقة تظهر أن تلك الأقوال والأمثال غالبًا ما تكون حقيقة وتصيب كبد الحقيقة. بل أكثر من ذلك، هي مُدعّمة بالنظريات العلمية.
خُذ مثلًا "نظرية المتفرّج" أو ما يسمّى في بلاد الغرب الكافر بـ "Bystander Effect"، والتي تقول ببساطة إنه كلّما زاد عدد الأشخاص الحاضرين عند وقوع كارثة أو موقف طارئ، قلّ احتمال تَدَخل أيّ واحد منهم. النظرية ليست حديثة، وإنما ظهرت في الولايات المتحدة بعد حادثة مقتل شخص في نيويورك عام 1964 على يد أحد المعتدين. حينها اتهم الإعلام جميع الشهود بالتقاعس عن مساعدة الضحية رغم أنهم كانوا بالعشرات، سمعوا وشاهدوا الاعتداء ولم يتدخلوا حتى وقعت الجريمة.
النظرية تَنسب هذا التردّد إلى "تشتت المسؤولية"، حيث كلّ فرد يشعر أن المسؤولية موزعة بين الجميع، على قاعدة: "أكيد حدا غيري رح يتحرّك"... فينتهي الأمر بوقوع الكارثة من دون تدخل أحد من الحاضرين "الأشاوس".
كما تردّ النظرية هذه الظاهرة إلى "الجهل المتبادل"، فيراقب كلّ شخص الآخر حتى يفهم إن كان ما يحدث فعلًا أمرًا طارئًا أم لا. وإذا بقي الجميع صامتين وهادئين، يظن أغلبهم أن الوضع طبيعيّ، فيكبتون قلقهم ويقلّ احتمال التدخل!
بعضهم الآخر يخاف من "التقييم" أو "الخطأ"، أي أن الناس يتردّدون بالتدخل خوفًا من أن يكونوا قد بالغوا في فهم ما حصل، فيظنون أنه أمر خطر فيكون شيئًا عاديًا لا يستحق... وكلّما اتسم الحدث بالغموض، قلّ التدخل أيضًا.
أصحاب هذه النظرية يعتبرون أن كسر "نظرية المتفرّج" يحصل عندما يتحرّك الضحية نفسه لطلب المساعدة بشكل مباشر. مثلًا، أن يصرخ الضحية ويقول: "أنت يا أبو القميص الأزرق... اتصل بالشرطة أو بالإسعاف فورًا". لأن طلب النجدة يلغي تشتت المسؤولية، ويلقي بها على جهة محدّدة.
هذه النظرية تنطبق علينا في لبنان: نحن في ورطة، والمتفرّجون الخارجيون كُثُر، وكل واحد منهم يُلقي بـ "مسؤولية التدخل" على الآخر ولا أحد منهم يتدخل لنجدتنا من بين "أسنان المفترس". والأهمّ أننا لا نعترف بوجود الأزمة أو بوجود "الوحش"، بل نتلطّى خلفها فندوّر الزوايا ونتحايل، وفي الوقت نفسه نأبى ونرفض طلب المساعدة بشكل مباشر، على قاعدة "كلو مقدور عليه".
أما بالعودة إلى الأمثال الشعبية، وإذا أردنا إسقاط هذه النظرية العلمية على أحد الأمثال، ثمّ مثل يُشبهها... "تقول بزقتو من تمها؟"، ويقول: "جبنا الأقرع ليشجعنا كشف ع القرعة فزعنا".