ألقى الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم كلمة خلال احتفال يوم الشهيد الذي أقامه الحزب في مجمع سيد الشهداء في الضاحية الجنوبية، مؤكدًا أن "هذا زمن الصمود وصناعة المستقبل"، ومشددًا على أن المقاومة وشعبها لا يُهزمان، وأنها ستبقى تدافع عن الأرض والكرامة مهما بلغت التضحيات.
استهلّ الشيخ قاسم كلمته بالعودة إلى أحداث عام 1982، قائلاً إن "إسرائيل دخلت لبنان حينها لتصل إلى الأولي قرب صيدا لمنع إطلاق صواريخ الكاتيوشا على شمال فلسطين المحتلة، لكنها أكملت فحاصرت بيروت، وأخرجت منظمة التحرير الفلسطينية، وارتُكبت مجازر صبرا وشاتيلا بإشراف شارون وعملائه اللبنانيين".
وأضاف، "تبيّن أن الهدف لم يكن منع الصواريخ، بل الاحتلال والاستقرار في لبنان وإنشاء المستوطنات في الجنوب، وإلا فكيف بقي الاحتلال من 1982 حتى 2000؟".
وتحدث عن نشأة ما سُمّي "دولة لبنان الحر" عام 1978 بقيادة سعد حداد، والتي تحوّلت لاحقًا إلى "جيش لبنان الحر" ثم إلى "جيش لبنان الجنوبي"، قائلاً: "كان الهدف من وضع اسم لبنان الإيحاء بأن القضية داخلية، فيما الإشراف والدعم والتمويل والأوامر إسرائيلية بالكامل".
وأشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي استمر حتى عام 1985، حين "أجبرت المقاومة العدو على الانسحاب إلى الشريط الحدودي الذي بلغت مساحته ألف كيلومتر مربع"، مؤكّدًا أن "الاستشهاديين، وفي مقدمتهم أحمد قصير، هم الذين فتحوا طريق التحرير".
وتابع قاسم: "قالوا لنا العين لا تقاوم المخرز، وأن إسرائيل قوية ومدعومة من أميركا، لكن المقاومين أبَوا إلا أن يواجهوا، فقدموا التضحيات والجهاد والعطاءات".
وأوضح أن "حزب الله قام على فكرة الجهاد والمعنويات والكرامة وتحرير الأرض ودعم فلسطين"، مشيرًا إلى أن "المجاهدين امتلكوا قوة لا يمتلكها الطغاة والمعتدون: قوة الإيمان والإرادة".
وأضاف، "هذه القوة هي التي حوّلت القنبلة إلى قنابل، والبندقية إلى قدرة، وصرخة (الله أكبر) إلى زلزلة تهز الإسرائيليين، حتى خرجت إسرائيل عام 2000 من دون قيد أو شرط، لا بالمفاوضات ولا بالسياسة، بعدما فشل اتفاق 17 أيار".
وأكد قاسم أن "منذ عام 2000 وحتى 2023، يعيش لبنان حالة ردع قائمة بسبب وجود المقاومة والإرادة والتلاحم بين المقاومة والجيش والشعب".
وأضاف، "على مدى 42 سنة، من 1982 حتى 2024، مُنعت إسرائيل من مشروعها التوسعي، وخرجت ذليلة من أرضنا، ومعركة أولي البأس كانت نموذجًا للصمود، حيث واجه المجاهدون 75 ألف جندي وضابط إسرائيلي، فلم يتقدموا سوى مئات الأمتار".
وأشار إلى أن "هذا كله بفضل الله ومجاهدي المقاومة الذين باعوا جماجمهم لله تعالى".
وتطرق قاسم إلى الاتفاق الموقع في 27 تشرين الثاني 2024، قائلاً إنه "اتفاق وقف إطلاق نار نصّ على انسحاب إسرائيل من جنوب نهر الليطاني وانتشار الجيش اللبناني في تلك المنطقة، ومنع أي مظاهر مسلحة غير الجيش".
وأوضح، "نحن في حزب الله نعتبر الاتفاق ذا ثمن مقبول، لأن الجيش اللبناني —أهلنا وأبناؤنا— سيكون على الأرض، ونحن نرحّب بوجوده ودفاعه عن الوطن، فبعد 42 سنة من تحمّل المقاومة مسؤولية الدفاع، حان الوقت لتتحمّل الدولة هذه المسؤولية".
وشدد على أن "إسرائيل خسرت لأنها خرجت من الجنوب من دون أن تحصد مكاسب عدوانها".
وتساءل قاسم: "لماذا لم تطبّق إسرائيل وأميركا ما عليهما بموجب الاتفاق؟"، وقال: "لأن خروج إسرائيل يعني استعادة لبنان لسيادته وكرامته، ولأنهما تريدان التدخل في مستقبل لبنان السياسي والاقتصادي والعسكري، وتعملان على إعدام قدرته الدفاعية ليبقى مكشوفًا أمام العدو".
وأشار إلى أن "واشنطن تريد تسليح الجيش اللبناني فقط بمقدار يمكّنه من مواجهة المقاومة لا إسرائيل"، معتبراً أن "هذا دليل على أن المشروع الأميركي هو مشروع احتلال وتوسع وعدوان".
ولفت قاسم إلى أن "إسرائيل ارتكبت خلال عام واحد أكثر من 7000 خرق جوي و2400 نشاط شمال الخط الأزرق، بحسب المتحدث باسم اليونيفيل داني جيري، الذي أكد أيضًا أن الأمم المتحدة لم ترصد أي نشاط لحزب الله في منطقة عملياتها".
وأضاف، "منذ الاتفاق حتى الآن، سقط 303 شهداء و917 جريحًا من المدنيين والمقاومين جراء العدوان الإسرائيلي، فكيف يقال إن المشكلة في لبنان؟ المشكلة في إسرائيل".
وقال قاسم: "لن أناقش خدّام إسرائيل الذين لا يدافعون عن مواطني بلدهم ولا يستنكرون عدوانها، بل أوجّه كلامي لأصحاب الضمائر الحية"، ودعا الحكومة اللبنانية إلى "وضع خطة زمنية لاستعادة السيادة الوطنية، ورفض الإملاءات الأميركية التي تستهدف الاقتصاد والمجتمع".
وأضاف، "عندما يتحدث الأميركيون عن التجفيف المالي، ويتدخلون في القرض الحسن والخدمات الاجتماعية، فهذا تدخل مرفوض في شؤوننا الداخلية".
وحدد قاسم موقف حزب الله بخمس نقاط: "الاتفاق المعقود في 27/11/2024 حصريًّا لجنوب الليطاني، وعلى إسرائيل الانسحاب وإطلاق سراح الأسرى، والدولة اللبنانية تتحمّل مسؤولية التنفيذ. الجنوب مسؤولية الدولة والمقاومة والشعب، ولن يستقر لبنان مع استمرار العدوان الإسرائيلي. لا استبدال للاتفاق ولا تبرئة للعدو باتفاق جديد، بل يجب تنفيذ الاتفاق ثم النقاش داخليًا على قاعدة قوة لبنان واستقلاله. استمرار العدوان لا يمكن أن يستمر، مؤكدًا أن "لكل شيء حدّ". شعب لبنان حيّ ومقاوم وشجاع، أصابته الحرب لكنّه لم ينكسر".
وأكد قاسم أن "المجتمع المقاوم هو الذي يحمي الدولة من الضغوط الخارجية"، داعيًا للاستفادة من قوته. وأضاف، "التشييع المليوني للشهيدين، والاجتماع الكشفي الذي ضم 75 ألفًا في المدينة الرياضية، ووحدة حزب الله وحركة أمل، ليست تهمة بل دليل وحدة وطنية".
وأوضح، "نحن نتعافى في حضورنا الطبيعي، ومجتمعنا قوي ومؤمن بالمقاومة والتحرير، لكننا نواجه خطرًا وجوديًا حقيقيًا، ومن حقنا أن نفعل كل ما يلزم لمواجهة هذا الخطر".
واختتم الشيخ قاسم كلمته بالتأكيد على الثوابت العقائدية، قائلاً: "لن نستسلم، ولن نترك مستقبل أجيالنا للمستكبرين، ولن نتخلى عن سلاحنا الذي يعطينا العزيمة والقوة".
وأضاف، "على أميركا وإسرائيل أن ييأسا، فنحن أبناء الحسين والممهّدون للمهدي، لن تتحكم بنا الشياطين، وسنعيش أعزة أو نموت أعزة. هيهات منا الذلة".
وختم قائلاً: "نحن مطمئنون إلى ثلاث قواعد: المقاومة وشعبها لا يُهزمان، ونحن منصورون بالنصر أو الشهادة، وهذا زمن الصمود وصناعة المستقبل".
ووجّه تحيات إلى فلسطين وغزة والضفة والقدس، وإلى إيران وسماحة الإمام الخامنئي، والشهيد قاسم سليماني، وإلى شعوب اليمن والعراق "الذين قدّموا التضحيات الكبرى في محور المقاومة".