لاحظت تقلا أن جسر البيت عدلي غيّر عاداته وصار مفرطًا في استهلاك الصابون "أبو ريحة" والشامبو. يغتسل من دون إلحاحها "قوم يا رجّال تحمم رح تبرد المي" فيجاوبها بفظاظة: "من يومين تحممت شو هيّ سيكا؟". اختلفت هذه الأيام عن هاتيك الأيام. بات عدلي يبادر من تلقاء نفسه فيدخل إلى الحمام يوميًا ويبدّل ثيابه الداخلية يوميًا ويصرف نصف سيترن يوميًا. ما عاد يرضيه سوى أن ينقع جسمه لنصف ساعة، بعد ملء البانيو، بالمياه الساخنة. حمّام عدلي لوحده أوقع البيت في عجز مالي ولا سيولة في احتياطي الموازنة.
ولاحظت تقلا أن بعلها، بعد ورشة الحفّ والتنظيف يقف أمام المرآة عاريًا متأملا جسده المترهّل لدقائق وهي خلفه حاملة المنشفة البيضاء. يتناول المنشفة، ويسلّمها يديه لتقليم أظافره بعدما سكن الشحم تحت أظافره ردحًا من الزمن.
ولاحظت تقلا أن تاج رأسها يدلق كل أربعاء نصف قنينة كولونيا عليه، ويستعمل مزيل العرق لقتل احتمالات الروائح الكريهة المنبعثة من تحت إبطيه. دخل هذا المستحضر إلى البيت من حوالى الشهر فقط.
ولاحظت تقلا، رغم سمعها الخفيف، أن "رزقات بيتها" يتكلّم وهو نائم. كان يشخر صار يشخر ويثرثر مستعملا ما "حوّشه" طوال عمره من مفرادات إنكليزية مثل.
Good و very good وLove و Magic fingers. كلمات ليست كالكلمات بل صدرت مصحوبة بتأوهات. بدأ الفأر يلعب في عب تقلا الرحب. وتقلا بالمناسبة كانت تقرأ في أوقات فراغها "تعلّم الإنكليزية من دون معلّم" ففهمت تقريبًا على عدلي.
أمس وفي جلسة "محبوسة" مع خليل روى عدلي لجاره همسًا:
أوّل مرة قالتلي "شلاح". قلتها All ؟أجابت : يس مستر. تركتني لآخد "دوشًا" وانلقحت يا معلّم على سرير مهفهف. مدري شو سألتني أجبت بـ of course فأحضرت حجارة سود ساخنة وحرقت دين ظهري. وبل طول سيرة يا خليل أحبت جسدي وأصرت في النهاية أن...
هزّ رأسه خليل بمعنى ما ضروري تشرح. فهمت.
المسّاج نعمة يا خليل.
خليل: نعمة من الماضي يا عدلي. وفتح الجريدة قارئاً لجاره الخبر المزلزل.
صدر عن مكتب شؤون الإعلام في المديرية العامة للأمن العام البيان التالي:
يحظّر على جميع أصحاب المؤسسات والشركات القيام بأي أعمال تتعلّق بالتدليك لأغراض غير طبية من دون الاستحصال على موافقة المديرية العامة للأمن العام.
صمت عدلي لثوانٍ. نظر إلى السماء وسأل باسم كل الرجال البائسين: ليش يا الله؟
وعلى مسافة قريبة تركت تقلا "منقرة" الباذنجان ورفعت يديها إلى السماء: يا الله ما أجمل هذا الخبر.
في هذا اليوم بالذات كانت تقلا قد وضعت في أذنها اليمنى سمّاعة. سمعت كل شيء.