المحامي محمد آصف ناصر

الطاعون

7 دقائق للقراءة

قبل ثلاثمائة عام من تأليف دانتي الكوميديا الإلهية، كتب أبو العلاء المعري رسالة الغفران، رسالة تقدمية تخالها مكتوبة في القرن الواحد والعشرين. بين رسالة الغفران، الكوميديا الإلهية، وإنفيرنو لدان بروان حبكة متواصلة تتداخل فيها المعاني والقيم والتجارب وتنعكس مفاهيم الزمكان في النص لكن الموت والآخرة هما نول الحكاية.

ألهمت لوحة الرسام الإيطالي ساندرو بوتيتشيلي "Inferno" دان براون ليكتب رواية عن تحديات جديدة توهمنا مع جائحة كورونا أننا نعيش فشل روبرت لاندونغ في فك رموزها.

يستكين آخر الزمان في اللاوعي الإنساني رمزًا لحتمية فناء الوجود فلكل بداية نهاية ولكل دولة عُمُر فيقول ابن خلدون "وإنما قلنا إن عمر الدولة لا يعدو في الغالب ثلاثة أجيال، لأن الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها... والجيل الثاني تحول حالهم بالملك والترفه... والجيل الثالث انغمسوا في النعيم والترف، فذهبت العصبية، وانقرض أمرهم" لكن الجماعات الميتة لا تعي كيف تتعامل مع نهاية حقبة وبداية أخرى فتتمسك بالمفاهيم البائدة كمن يتمسّك بثوب ممزق تقتلعه الريح.

هذا ما يعبرّ عنه منهاج الكراكيب المتمسك بأوهام الماضي وقصص الزناتي خليفة، فالكراكيب الخائفة من المجهول تكافح، بالتهديد والترهيب، والأدوات القديمة، عمل شبيبة علوية شبكت الأيدي مع المحيط المتنوع وأسست نادٍ ليونزي، لتنجح إرادة الحياة والانفتاح وتندثر فوضى الكراكيب في مشهد يتجاوز الحسابات الضيقة والمرحلية، وكان شعار الحضور الوازن: "نحن نخدم".

الطاعون من الجوائح التي تنشرها القوارض، خاصة الجرذان، التي تتغذى وتنتعش في القذارة، غير أن لحقبة الطاعون الأسود (1347–1352) في المدلول الأوروبي أثر إيجابي، فهذا الوباء تسبب في تغير البنى السلطوية والاقتصادية والسياسية والدينية في أوروبا، وكان سببا في جدع الخرافة الثيولوجية وتنقية الايمان من المفاهيم الخاطئة. فكان للوباء المولود من قذارة الجرذ أثر في تطهير العقل الأوروبي من تهافت الموروث. فتعامل الوعي الأوروبي بعقلانية مع نتائج الوباء واكتشف أن الأخذ بالأسباب ضرورة لا تغني عنها الذخائر.

مع تهدم البنى القومية الذي جسدته جرائم الإبادة الجماعية في الساحل الشرقي للمتوسط في شهر آذار الماضي، انهدم سلم قيمي في الوجدان الجمعي، فتوهم المراقب أن المفاهيم التي عبرت عنها قوات صافيتا في العام 1831، وثورة الشيخ صالح العلي (قد)، زالت مع زوال المفاهيم التي تأسست مع جمعية العربية الفتاة في بيروت في مطلع القرن العشرين. غير أن الربط ما بين الفكر القومي والقيم الأساس خطأ جسيم، فالقيم هي نسغ هذه الأرض وما تفرزه هذه الجغرافية من مفاهيم انتروبولوجية، وهذه المفاهيم نشأت مع الكنعانيين (الفينيقيين) واستمرت عبر العصور، فوجدت قبل الفكر القومي بآلاف السنين، أما العقائد القومية فقد نشأت في أوروبا كنتيجة للثورة الصناعية واستوردها المستغربون في الشرق، كما استورد أسلافهم التكفير أثناء الحروب الصليبية. هكذا لا يستقيم ربط القيم الانسانية المؤسسة على التعريف الجيني لأبناء هذه المنطقة بعقائد مرحلية لم تعد صالحة.

كذلك لا يصح تأسيس المستقبل على الاقصاء والخوف من الآخر، ولا يجوز أن يكون جارك ونسيبك هو الآخر. فمفهوم الكراكيب التكفيري الاقصائي الالغائي، لا ينحصر في زرع الخوف من المحيط بل يتعدى ذلك إلى منع الاختلاف بالرأي ومحاولة افتراس الآخر بتهمة شق الصف وزرع الفتنة لمجرد أنك تتجرأ وتعطي رأيا لا ينسجم مع عقيدة الخوف والتكفير التي يروجونها، كأي كاهن في مجاهل إفريقيا يحرض على أكل لحم الطبيب الذي يعالج شعبه من الأوبئة، ويقنع شعبه أن الأدوية سمومًا تستهدف صحتهم، وأن في لحم الطبيب وأهله العلاج لكل أمراضهم وعللهم.

هذا الكاهن يتقمص شخصية الجرذ جالب الطاعون، فهو ينشر قذارته الفكرية ممهدا لطاعون لا يبقي ولا يذر، وحساباته في هذه المسألة لا تتعدى مصالحه الشخصية وإبقاء نفوذه على مجتمع ضيق جمعه الخوف وتحديات الطبيعة. حملني إلى مجاهل افريقيا مقابلة أجريت مع نائب علوي راحل في تسعينيات القرن الماضي، عندما سألته الصحفية عن ما ألهمه ليقود الطائفة (نحو خرابها) فكان جوابه يومها أنه "لمس في معاناة الزنوج في الولايات المتحدة الأميركية معاناة شعبه" فعاد بعد أن كافح هناك مع "الزنوج" لنقل ثقافة البرونكس إلى طرابلس، نجح "الزعيم" بتحويل الوجود العلوي المشرق في طرابلس من حضور وازن وفاعل في زمن الكاسورة وآل علي خليل وآل حبوس ومكائيل والشتوي وغيرهم، إلى حي برونكس مهمل يُعبِّر عن القهر والتهميش في طرابلس، واستبدل أحمد حسن خليل المسؤول العربي الأول في الـ IPC في خمسينات القرن الماضي وأول عضو مجلس بلدي علوي في طرابلس في الستينات، بأبناء سائقي "الزعيم" وأتباعه، فالحصص والمغانم وبالتالي الوجود مرتبط بالولاء، والولاء للشخص لا للقضية.

فالقضية بالنسبة للكراكيب هي وجودهم واستمراراهم على حساب المجتمع وازدهاره، وجني الأرباح المالية أهم من التنمية والعمران، فترى تركتهم المؤسسية عبارة عن مقبرة، ملعب، مستوصف، وبقايا مستشفى، والقاسم المشترك الوحيد بين اشباه المؤسسات هذه هو اغتصاب العقار والجرم الموصوف في المادة 738 عقوبات، هذه المادة تشكل عنوانًا لمرحلة الكراكيب فأرض النائب السابق بدر ونوس ما تزال حتى اليوم خارجة عن سيطرة ورثته. هذا النهج كان وما يزال يعبر عن نسق الكراكيب الفكري، هذا النسق وجد في المكتب السياسي في حزب الله السند وتبادلوا المنافع، فكانت جلسة 06/11/2025 الحكومية الترجمة الأدق لزيارة الحج إلى المجلس الإسلامي العلوي حين برز واعظًا بحقوق "الطائفة العلوية" مستحضرًا في الأذهان قصيدة أحمد شوقي.

فحق الطائفة بالنسبة للحج أن يُحكِم قبضته عليها، وحق الطائفة أن يتم تعديل قانونها لتمسخ هيئتها العامة ويقلص تمثيل النخب المثقفة فيها وحق الطائفة أن يتحكم خريجو الحج ومناصروه في الطائفة بالمشايخ فيُخضِعون المؤسسة الدينية لسلطانهم عبر تعديل الفقرة 5 من المادة 6 من القانون 449/95.

هذا التعديل قدّمت اعتراض على مساره القانوني أمام رئاسة الحكومة حمل الرقم 1900/2 بتاريخ 12/08/2025، غير أن هذا الاعتراض لم يجد سبيله إلى أعين دولة رئيس الحكومة فاعترضه ما أبقاه أسير الأدراج، فقبل المكتب السياسي في حزب الله بتمرير مشروع قانون اقتراع المغتربين مقابل تمرير مشروع قانون إحكام قبضته على "الطائفة العلوية" وإبقاء هذه الطائفة المنكوبة رهينة سلاح الإسلام السياسي.

فالسطحية التي تحدثت عنها في مقالي القبران، هي النهج الذي تتعامل به السلطة الدستورية في لبنان مع العلويين، فينطلق القيمون من التأثير العددي والحضور الإعلامي الضعيف ويغفلون عن أثر هذه الطائفة الاستراتيجي، فيما يدرك الحج أهمية هذا الأثر ويسعى سعيه ويناصب جهده للحؤول دون تحرر أبناء هذه الطائفة من قبضته.

إن للقرار رقم 9 الصادر عن الحكومة اللبنانية بتاريخ 06/11/2025 أثرًا فادحًا على الطائفة الإسلامية العلوية أفدح من أثر الطاعون على أوروبا، ولن يكون له آثار إيجابية، فهذا القرار يمحق الطائفة وتراثها ويستلب وجودها لصالح مشاريع غريبة عنها مرفوضة في صفوف أبنائها. أبناؤها الذين أتعبهم التهميش والاستغلال والكذب والخذلان، والذين مصت بريق أعينهم وعزيمتهم حقبة الكراكيب، والخوف، والعيش بين الخوف من القتل والخشية على فتات الكرامة، يبحثون في خريطة العالم عن دولة تمنح تأشيرة، ويستفزهم شعار الشبيحة الجدد "هاجر أنت لست شجرة"، غير أنهم أبناء هذه الأرض ونسغ أشجارها، وروح جبالها، أبناء هذه الطائفة أبناء هذه الجبال التي وصفها الرب مخاطبا موسى بـ"وقف الله"، مذنبون بالإثم الكنعاني، مهما استبعدوا، وأينما حملتهم الريح تبقى هذه الجبال عامرة في قلوبهم. يهاجرون على حلم العودة المظفرة، ويحلمون بوطن المواطنة والانسان.