الدكتور سايد حرقص

لبنان: دولة تمشي فوق الألغام

4 دقائق للقراءة

يسير لبنان اليوم على حافة الانفجار. فبين تهديدات الشيخ نعيم قاسم الرافضة لأي نقاش في ملف السلاح، وبين الإنذارات الأميركية التي تطالب الحكومة بخطة واضحة خلال ستين يومًا لإنهاء ملف السلاح غير الشرعي وضبط إقتصاد الكاش، تبدو السلطة اللبنانية كمن يتحرّك في حقل ألغام سياسي ومالي وأمني لا نهاية له.

في مواقفه الأخيرة، شدّد الشيخ نعيم قاسم على أن «سلاح المقاومة غير قابل للنقاش»، معتبراً أن أي محاولة لنزعه هي «خدمة مجانية لإسرائيل». وذهب أبعد من ذلك حين اتهم الحكومة اللبنانية بالخضوع لـ«شروط أميركية – إسرائيلية»، محذراً من أن الحزب «لن يسمح بإضعاف المقاومة أو تقييد دورها».

غير أن الشيخ قاسم لم يوضح للبنانيين جدوى هذا السلاح في حماية لبنان، في وقتٍ تُواصل فيه إسرائيل قتل من تشاء وتدمير ما تشاء من دون رادع، ما أفقد هذا السلاح هيبته وفعاليته. كلام قاسم بدا محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتكريس فكرة أن السلاح ليس ملفاً وطنياً داخلياً، بل «قضية وجود» مرتبطة بمعادلة الصراع مع إسرائيل، لا بمفهوم السيادة والدولة.

في المقابل، وصلت إلى بيروت رسالة أميركية شديدة الوضوح: إما أن تضع الحكومة اللبنانية خطة زمنية خلال ستين يوماً لنزع السلاح خارج إطار الدولة وتنظيم الاقتصاد النقدي، أو ستواجه عقوبات مالية جديدة تطال شخصيات ومؤسسات تعتبرها واشنطن واجهات لتمويل حزب الله.

بهذا المعنى، يبدو لبنان اليوم عالقاً بين قوتين متناقضتين:

من جهة، ميليشيا مسلّحة مرتبطة بمشروع إيراني عابر للحدود ترفض أي نقاش في مستقبل سلاحها الذي تعتبره ضمانة وجود.

ومن جهة أخرى، ضغوط أميركية تشترط نزع هذا السلاح كشرط لأي دعم مالي واقتصادي ودبلوماسي لإنقاذ لبنان من أزماته المتفاقمة.

أما السلطة اللبنانية، فتبدو عاجزة عن إتخاذ أي قرار واضح، خشية إنقسام المؤسسة العسكرية أو تفجّر الشارع، وهو ما قد يعيد البلاد إلى أجواء الحرب الأهلية. وفي ظل هذا الشلل، تتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية، ويتحوّل «اقتصاد الكاش» إلى قضية دولية موازية للسلاح غير الشرعي. فواشنطن تعتبر الأموال النقدية خارج النظام المصرفي شبكة تمول للإرهاب، بينما يراها اللبنانيون نتيجة طبيعية لانهيار النظام المصرفي بعد عام 2019.

في ظلّ تهديدات الشيخ نعيم قاسم وإنذارات واشنطن، لم يعد لبنان يملك ترف الوقت. فكل تأخير في اتخاذ القرار يزيد خطر الانفجار الداخلي أو جحيم الإجتياح الاسرائيلي مما يقرّب البلاد من لحظة اللاعودة.

إن لبنان اليوم أمام خيارين أحلاهما مرّ:

إما مواجهة مفتوحة مع الخارج، تعني مزيداً من العزلة والعقوبات، وإحتمال الإجتياح العسكري الاسرائيلي.

وإما مواجهة داخلية مع السلاح الذي تجاوز دوره العسكري إلى ما يشبه «الوصاية السياسية».

في الحالتين، يبقى غياب القرار السيادي هو الخطر الأكبر. فالشجاعة السياسية والوطنية الحقيقية لا تكمن في الشعارات والخطابات والوعود، بل في الإعتراف بالواقع: أن سلاح حزب الله الذي بُني بدعم إيراني واسع وتواطؤ سوري وغضّ نظرٍ لبناني على مدى أكثر من اربعين عاما، لم يتمكن خلال حرب الإسناد من تعديل ميزان القوى مع إسرائيل. واليوم، وقد دمر قسم كبير من السلاح في الحرب وشحّ الدعم الإيراني وأُقفلت البوابة السورية، وباتت الدولة اللبنانية تحت المجهر الدولي ، هل هناك من إنسان عاقل مازال يعتقد أن هذا السلاح يحمي؟.

الحق يحرّر، والإعتراف به هو المدخل الوحيد لإنقاذ الدولة من الانهيار الكامل. وحده القرار الوطني الصادق يمكن أن يعيد للدولة دورها، وللسيادة معناها، قبل أن يتحوّل حقل الألغام الذي نسير فوقه إلى مقبرة وطنية مفتوحة لجميع اللبنانيين.