لم يكن توصيف الموفد الأميركي إلى الشرق الأوسط للدولة اللبنانية بأنها "دولة فاشلة" توصيفاً قاسياً بقدر ما كان توصيفاً واقعياً وموضوعياً لحقيقة مرّة يعيشها اللبنانيون يومياً. فالدولة التي تعجز عن بسط سلطتها على كامل أراضيها، وتخضع لسطوة السلاح غير الشرعي، وتغيب عنها المحاسبة والشفافية، لا يمكن إلا أن تُدرج ضمن خانة الدول الفاشلة.
إنّ أبسط مؤشّرات هذا الفشل تجلّت في عجز السلطة اللبنانية عن منع احتفال في منطقة الروشة، حيث أُضيئت صخرة الروشة بصورٍ وشعارات غير مرخّص بها، في مشهدٍ يلخّص انهيار هيبة الدولة وتراجع قدرتها على فرض النظام. دولةٌ لا تستطيع حماية رمزٍ طبيعي وسياحي بهذا الحجم، فكيف لها أن تصون سيادتها، أو تطبّق القانون على الجميع من دون استثناء؟
ولا يختلف الأمر كثيراً عندما نتحدث عن جمعية “القرض الحسن”، تلك المؤسّسة غير الشرعية التي تمارس نشاطاً مالياً خارج إطار الرقابة المصرفية والقانونية اللبنانية، وتُعتبر بحدّ ذاتها دولةً مالية موازية داخل الدولة. إنّ تغاضي الحكومة والأجهزة الرسمية عن هذه المؤسّسة يشكّل اعترافاً ضمنياً بالعجز، بل تواطؤاً في تكريس واقعٍ موازٍ ومناقضٍ لمفهوم الدولة الحديثة.
وإذا انتقلنا إلى ملفّ التعيينات الإدارية، نجد أنّ المحسوبيات والولاءات السياسية ما زالت تتحكّم بالمناصب الأولى في الدولة اللبنانية، وكأنّ الكفاءة والجدارة أصبحتا تهمّشان في سبيل الولاء لهذا أو ذاك. هكذا تستمرّ الإدارة اللبنانية في الدوران داخل الحلقة المفرغة نفسها: فشل إداري يُنتج فشلاً سياسياً، وفشل سياسي يُعمّق الانهيار الاقتصادي والمؤسساتي.
في المقابل، وبينما تتخبّط الدولة اللبنانية في انقساماتها وارتباطاتها الداخلية، شهدت المنطقة تطورات متسارعة، أبرزها زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض واللقاء الذي جمعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهي خطوة فتحت الباب أمام رفع العقوبات عن سوريا وإطلاق مسار نهضوي جديد بعد أقلّ من عامٍ على سقوط نظام بشار الأسد. سوريا تتأهّب اليوم لدخول مرحلة إعادة إعمارٍ سريعة، فيما يبقى لبنان أسير وصاية الميليشيات وغياب القرار الوطني المستقل.
إنّ مأساة لبنان الحقيقية ليست في ضعف موارده أو صِغَر مساحته، بل في عجزه عن أن يكون دولة طبيعية: دولة تمتلك قرارها، وتفرض سلطتها، وتطبّق القانون على الجميع من دون تمييز. طالما أنّ السلاح غير الشرعي يحكم، وطالما أنّ الفساد يحمي نفسه بالمحسوبيات، فإنّ توصيف “الدولة الفاشلة” سيبقى لصيقاً بلبنان، مهما حاولت الطبقة الحاكمة تلميعه بالخطابات والمظاهر. هذه الطبقة العاجزة عن ضبط تهريب المخدرات والسلاح والأموال، وتمتنع عن إدراج اقتراح تعديل قانون الانتخابات لإنصاف المغتربين اللبنانيين الذين هاجروا هرباً ممارسات لا تُشبه منطق الدولة ولا المؤسسات.
وبعد، فإن لبنان اليوم يقف على حافة التحلّل الكامل:
بين دولةٍ عاجزة، وسلطةٍ مستسلمة، وشعبٍ يُدفع كلّ يومٍ نحو اليأس أو الهجرة.
فهل يبقى الأمل ممكناً بقيامة دولةٍ تستعيد هيبتها، أم أن “صخرة الروشة” ستبقى المرآة التي تعكس صخرة عجز النظام اللبناني برمّته؟
باختصار، إنّ دولةً تخشى أن يُقاضيها أحد السجناء المُخلى سبيلهم، هنيبعل معمّر القذّافي، أمام محكمة العدل الدولية، وتلجأ إلى ابتزازه عبر إرغامه على توقيع تعهّدٍ بعدم رفع دعوى مقابل إخلاء سبيله، ليست بدولةٍ حقيقية، وقضاؤها ليس بخير. والأملُ بالتخلّص من هذه الممارسات بدأ يتلاشى، ويتبدّد، ويندثر... للأسف... والسلام
رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"