"وَفدْتُ إلى بلاد الغيم والضباب، من قرية صحوٍ ونقاء في الأقاليم الشامسة..."، "في الرذاذ... إلى المونبرناس، حيث لي حانة استسلم فيها إلى خَدَر المخيّلة..." (من كتابه "معيار وجنون... ذكريات باريسية").
باكرًا حطّ رحاله في باريس بحثًا عن الذات واللافت الآخر. اكتشاف فرنسا والغرب عامة، أثر في تكوينه الفكريّ والجمال وفي النضج الشعري... درس في جامعاتها ومارس الصحافة في إذاعة العربية (1954)... مطالع الستينات عاد جوزيف صايغ إلى بيروت (1964). ساهم في أنشطة "الندوة اللبنانية" لمؤسِّسها ميشال أسمر. كتب في "ملحق النهار" وفي ملحق جريدة "الأنوار" ومجلّة "الجديد". في تلك الفترة، تميّزت مقالات جوزيف صايغ بنبرة قاسية مباشرة، وبروح لبنانية ثورية على عنف استفزازي، وضعته في حال سجالية حادّة مع أطراف سياسية وعقائدية، تركت أصداءً واسعة في أوساط الشباب، وسخطًا لدى آخرين!
شكّلت تلك المقالات القتالية تعبيرًا عن حدس مُسبق واضح بالكارثة الوشيكة الوقوع، وبأن لبنان سائر للتحوّل إلى وطن مستحيل!
شخصيّات سياسية - حزبية - عقائدية بارزة، شاركت في تلك المنازلات الإعلامية. نذكر موريس الجميّل (وزير التصميم)، أسد الأشقر (رئيس الحزب السوري القومي الإجتماعي)، كمال يوسف الحاج (مفكّر سياسي وكاتب)، أنسي الحاج (رئيس تحرير ملحق النهار)، الشاعر يوسف الخال، المفكّر السياسي هنري حاماتي وسواهم... ثم عاد إلى باريس، حيث مارس التدريس وعمل ملحقًا ثقافيًّا في مندوبيّة لبنان الدائمة لدى الأونيسكو.
في تقديم لمؤلَّفات جوزيف صايغ الشعرية (دار النهار - 2004)، كتب السفير المثقف الكاتب كميل أبو صوّان (رئيس نادي القلم الدولي): "لقد حاول جوزيف صايغ على مدار عمر، ما كان قد اعتُبر محالًا: الجمع في شِعره بين الشرق والغرب حيث ظُن لا يجتمعان! ولئن اعتبر الكاتب والشاعر الإنكليزي الكبير Rudyard Kipling جازمًا عبر مقولته السياسة: "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا"، فإن المقادير شاءت أن يتمّ هذا اللقاء العجيب في شخصية جوزيف صايغ، فيكوّن مصدرًا لإلهامه الشعري...".
غزير الإنتاج هذا الرجل، نذكر شعرًا: قصور في الطفولة (1962)، المصابيح ذات مساء (1972)، کتاب آن - كولين (1973)، القصيدة باريس (1987)، العاشق (1988)، الديوان الغربي (1990)، قصائد في الشمال، الرقم واللازورد. ونثرًا: سعيد عقل وأشياء الجمال (1959)، مجرّة الحروف (2007)، معيار وجنون (2007)، وحوار مع الفكر الغربي (2012) وهو مجموعة حوارات أجراها في باريس بين العامَين 1977 و 1978 ونُشرت في أسبوعيّة "النهار العربي والدّولي"، وتُعتبر طوافًا في الفكر الغربي، واستجوابات فكرية، مع قامات أوروبية، كوّنت رأيًا عامًّا، نذكر: جان لاكوتور، ألان بوسيكه، ألان بيرفيت، روبير ساباتييه، رولان بارت، هنري ترويا، قسطنطين فيرجيل جورجيو... هذاه الحوارات تناولت قضايا شائكة وسجالية في أسئلة الحرب والسياسة ووظيفة الأدب والفنون. وشكّلت فسحة ثقافية غربيّة إلى المكان والزمان العربيَّين.
قرأتُ جوزيف صايغ من زمان، شعرًا ونثرًا وفكرًا... من "قصور في الطفولة" إلى "حوار من الفكر العربيّ" مرورًا بـ "المصابيح" و "آن كولين" و "القصيدة باريس" و "معيار وجنون" وغيرها...
عاش صديقنا جوزيف صايغ في عين أزمة فكرية صارخة، يصارع لاإيمانَين: اليأس في قيام الوطن، وذلك اللّاإيمان المدمِّر. وكلاهما خطير، فكيف إذا اجتمعا في روح إنسان صادق، مواجه، ثائر!
كانت البدايات مع "الرابطة الفكرية" التي أسّسها جوزيف صايغ في زحلة نهاية أربعينات القرن الماضي مع شلّة من الأصدقاء الباحثين عن جزر القناعات والتوثب ...
في تلك الفترة كانت الحرب العالمية ألقت سلاحها، وظلّت أسئلة خطيرة في أوروبا حول النازية والفاشية والقوميات الوطنية... في المنطقة العربية ولبنان تحديدًا، تقدّمت فكرة القوميّة واجهة المسرح السياسي... قوميّات على تلاوينها: القوميّة العربية على التشعّب، والقومية السوريّة، والقوميّة اللبنانيّة... من جورج حبش إلى ميشال عفلق وأنطون سعادة والكتائب وسعيد عقل والتابعين...
يومها كان جوزيف صايغ يبحث عن حقائق ورجاء... ثم كانت الهجرة الفكرية إلى "القصيدة باريس" وتيارات الغرب الفكرية وأيار 1968... وكثرت الأسئلة وراكمت أثقالها وتهازلت الإجابات المقنعة... وصار السفر الفكريّ في لجّة المتاهة!
تكلّم الرجل على الغربة المطلقة! لم يركن جوزيف صايغ يومًا إلى رجاء السماء. فالمسألة الإيمانيّة عنده لم تبدأ لتكتمل حلقاتها وصولًا إلى رجاء الإيمان... وحين يتكلّم جوزيف صايغ على سعيد عقل، فبأوصاف المعلّم والشاعر الكبير، متنبي العرب الجديد، مازج الحضارات شعرًا. اختلافه الوحيد أن سعيد عقل كان يرى الجمال في الله حكرًا، وصديقنا يرى الجمال في فضاءات أُخر!
کتاب "الوطن المستحيل" شكّل إخراج قيدٍ ضمّنه تلاوين أفكاره، في الأدب والمرأة والحب والوطن والإيمان والسياسة واليأس، وصولًا إلى "إغراء الهاوية" كما يقول: "تكلمت على لا إيمانَين". وكان الأجدى قولًا، على كُفرَين: بعض مقالات هذا الكتاب بيانات ثورية تنعى الوطن وأبناءه، وتشتم الزعامات والقادة والمسؤولين، وتكفر بكلّ الأسس التي قام عليها...
كان الرجل يَوَدُّ أن "يؤمن بتحرير الأرض من قدريّة الأرض"، كما يقول حرفيًّا، وبتحرير المثقف من الثقافة، والكلمة الجديدة من الكلمة القديمة... وكان يحلم بوطن بالبال! عاد من الغربة فوجد الوطن حكّامه منقسمون، وبعضهم "مُباعون" كما قال، "وأبناؤه وراء أغرابه يزحفون وضدّ مصالحهم يعملون، فكأنهم شربوا من نهر الجنون"، كما استنتج صايغ.
"الوطن المستحيل"، كتاب يوثق لمراحل الرجل في مسارات وطن يُمكن الركون إليها... استوقفتني فيه تلك العتمة البلا قناديل. استعير من كتابات الرجل أفكارًا سوداوية مُربكة، وخلاصات مسدودة الآفاق. يتحدّث عن أن "المعركة الخاسرة ضد التنانين، أدّت إلى تدمير الذات أولًا وتدمير للشرق الذي في لبنان وفي نفسي، وللغرب الذي ليس في لبنان وفي نفسي. وإلى كفر بالعروبة والغروبة والعقائد والعقائديين".
يقول حول كتابه "مجرّة الحروف": "كتاب مهمّ جدًّا. فهو يتناول قضايا تتعلق بالكلمة، والكلمة برأيه هي كل شيء. أنا أعتبر الكون كلّه كلامًا. بدون كلام لا كَون ولا إنسان! الكلمة العربيّة التي نكتبها، هي ذات تاريخ وحاضر ومستقبل. تاريخ هذه الكلمة كان دائمًا محجوبًا! الكلمة العربيّة لم تكن يومًا حرّة، لأنها كانت إمّا خاضعة للمعتقدات الدينية، وإمّا لإدارة الخلفيّة وإمّا لسياسة الدولة. والكاتب العربي كان دائمًا يكتب من دون أن يعبّر عن رأيه مخافة أن يتعرّض لقطع الرأس أو اللسان! حاولت هذه المرّة أن أدور حول هذه الكلمة التي كانت دائمًا موضوع حرم أو احتجاب وتغييب. حاولت أن أجد صِيغًا وأن أطرق الموضوع الذي أرغب في طرحه ولو مداورة أو بأسلوب بلاغي - بيانيّ "يسمح" بقول ما نريده".



