جوزيف حبيب

"الإرهاب الإسلامي" والهجرة يُعيدان صياغة التوازنات الفرنسية

4 دقائق للقراءة
زهور وُضعت تكريمًا لضحايا الهجمات أمام قاعة باتاكلان الموسيقية أمس (رويترز)

أحيت فرنسا أمس الذكرى العاشرة لاعتداءات 13 تشرين الثاني الإرهابية ولسان حال شريحة واسعة من الفرنسيين، التي أدركت الخطر الإسلامي الداهم على مجتمعها، يقول: "لن ننسى ولن نقف مكتوفي الأيادي بعد اليوم. ربّما تأخرنا في التحرّك، لكن العمل الآن أفضل من ترك الأمور تسوء أكثر مع الوقت. هناك أشياء تتغيّر بالفعل، بيد أنه يجب تغيير مسائل كثيرة بعد قبل فوات الأوان". فرَض "الإرهاب الإسلامي" والهجرة نفسيهما على الساحة الفرنسية بقوّة خلال العقد الأخير، وساهما في تصدّر طرح مسألة الهوية وفي إعادة صياغة توازنات المشهد السياسي الداخلي وديناميكياته.

التفجيرات الانتحارية قرب ملعب "ستاد دو فرانس" في سان دوني، وإطلاق النار على مقاهٍ ومطاعم باريسية وداخل قاعة باتاكلان، حيث سالت دماء مئات القتلى والجرحى في ذاك النهار السوداويّ والمفصليّ، شكّلت "نداء استيقاظ" للكثير من الفرنسيين، علمًا أن هذه الهجمات كانت ذروة سلسلة "غارات إسلامية" إرهابية في تلك السنة، بدأت في 7 كانون الثاني بهجوم استهدف مجلّة "شارلي إيبدو" الساخرة وأدّى إلى اغتيال معظم فريقها التحريريّ.

لا تريد غالبية الفرنسيين من ذكرى هذه المأساة أن تقتصر على تدشين حديقة مخصّصة للضحايا كما حصل الخميس أو افتتاح متحف لهم بعد سنوات، إنما تكثيف الجهود السياسية والقانونية والأمنية لاجتثاث منابع هذه الأفكار الإسلامية الأصولية، والإسراع في ترحيل كلّ مهاجر غير شرعي أو مخالف، وسحب الجنسية من غير مستحقيها من مزدوجي الجنسية، واعتماد سياسة لجوء وهجرة متشدّدة، وجعل عملية الحصول على الجنسية أطول ووفق شروط صارمة تبعد جميع محتقري القيم الفرنسية اللاهثين خلف الإعانات الاجتماعية والتقديمات الخدماتية والصحية فقط.

المسألة لم تعد تحتمل أنصاف الحلول، والتسويات المشوّهة، والوقوف أمام "قواعد قاتلة" تعيق تطبيق العلاجات الجذرية الناجعة، والاستمرار في السياسات القديمة التي أغرقت البلاد بمجتمعات مهاجرة تكنّ لها العداء وكشفتها أمنيًا وأوصلتها إلى أحداث 2015. بدأت فرنسا تتغيّر بعد تلك السنة الحافلة، إلّا أن كلّ ما حصل غير كاف إطلاقًا. يتساءل الناجون وذوو الضحايا عمّا إذا كانت ندوبهم أو أطرافهم المبتورة أو صدماتهم النفسية أو قلوبهم المكسورة من فقدان أحد أفراد عائلتهم، كفيلة بتذكير كلّ من نسى أو لم يستخلص العبر من الهجمات، بالحقيقة الصعبة؟

يتخوّف الناجون وأقارب الضحايا من "مرض النسيان" أو التشخيص الخاطئ والسطحي للموضوع أو التخاذل رغم معرفة حجم المخاطر الوجودية المطروحة. فقضيّتهم أكبر من أن تطفئ السنين شعلتها التي تضيء درب الفرنسيين وترشدهم نحو الاتجاهات الصحيحة التي تحول دون تعرّض بلادهم لهجمات مماثلة لاعتداءات 13 تشرين الثاني مرّة أخرى. تسلّط أحزانهم وجراحهم، التي لن تندمل أبدًا، الضوء، على معضلة عميقة في رواسبها التاريخية والحضارية، وأبعادها المجتمعية والثقافية، تعاظمت مع فشل سياسات "الاندماج" التافهة في فرنسا وأوروبا، بالتوازي مع تأصّل تربية "توريث الكراهية" للبلد المُضيف على نحو خطر في أوساط أجيال المهاجرين من حملة الجنسية الفرنسية.

ليست الهجمات سوى تجسيد دمويّ لواقع حال شرائح مجتمعية معادية للجمهورية الفرنسية وكلّ ما تمثله، رغم وجود شرائح أخرى من أصول مهاجرة فخورة بأنها فرنسية وتساهم في تقدّم البلاد التي احتضنتها. يصل حدود ضغينة الحاقدين إلى درجة قتل مواطنين مسالمين بحجة "التجديف" وتبرير تلك الجرائم والاحتفال بها. أحبطت باريس 6 اعتداءات منذ مطلع العام، وفق وزير الداخلية لوران نونيز، الذي حذر من أن الخطر الإرهابي لا يزال مرتفعًا. كلّ هذه المعطيات تحتم على السلطات انتهاج مقاربة حاسمة مع الأسباب الجوهرية التي تفرز مثل هذه التهديدات. فطالما هنالك تربة خصبة لنموّ الإرهابيين، سيظلّ شبح الإرهاب يجول في مدن فرنسا وقراها.

لن يكون مستغربًا إذا اختار الناخبون الفرنسيون في المستقبل المنظور، مرشحًا يمينيًا حازمًا ليسكن قصر الإليزيه، واختباره إن كان أهلًا للثقة لمعالجة ملفات حساسة عجز أسلافه عن حسمها بالطريقة اللازمة، إضافة إلى العمل على إيجاد حلول منطقية وعادلة للمشكلات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، التي تثقل كاهل دافعي الضرائب.

تحدّث الرئيس ماكرون الأربعاء من تولوز، التي تضمّ مركز القيادة العسكرية الفضائية الجديد، عن أن حرب الغد ستبدأ في الفضاء، محذرًا من أن "الفضاء لم يعد ملاذًا آمنًا، بل أصبح ساحة معركة". وبذلك، تقف فرنسا أمام تحدّيات جسيمة تبدأ من القنابل الديموغرافية الموقوتة في ضواحي مدنها، ولا تنتهي باحتمال نشر مناوئيها الجيوسياسيين الدوليين قنابل نووية في الفضاء. تنتظر فرنسا والدول الأوروبّية استحقاقات عسيرة، من أزقة الضواحي الضيّقة إلى مساحات الفضاء الواسعة.