أوضح الدكتور عليّ محمود الموسوي، ومن خلال ردّ قانوني على مقال القاضي أنطوان الناشف: "اتفاقية ترسيم الحدود البحرية – إجراءات التطبيق ومدى استفادة الدولة منها" (31 تشرين الأول 2025)، أنه:
أولاً – في الإطار العام للمقال
يُقدِّم الكاتب عرضاً لاتفاقيات الترسيم البحري في شرق المتوسط، جامعًا بين حالات متباينة (مصر– اليونان، تركيا– ليبيا، لبنان– قبرص) تحت عنوان واحد. ويستخلص من ذلك أن لبنان، بخلاف غيره، لم يستفد اقتصادياً من اتفاقياته البحرية.
هذا الطرح، وإن بدا وصفياً، يقوم على مغالطة منهجية تتمثل في المساواة بين صحة الخطوط البحرية وسرعة الاستثمار، وتجاهل الفرق الجوهري بين "الاتفاقات النافذة" و"الاتفاقات غير المصادق عليها"، وهو ما يؤدي إلى استنتاج قانوني غير صحيح.
ثانياً – في الأخطاء القانونية الواردة في عرض اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار
1. إختزال مفهوم المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ)
يفترض النص أن المنطقة الاقتصادية تمتد تلقائياً إلى 200 ميل بحري من خط الأساس، في حين أن المادتين (74) و(83) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تنصّان بوضوح على أن الترسيم بين الدول المتقابلة أو المتجاورة يجب أن يتم بالاتفاق بغية التوصل إلى حل منصف.
أي أن مسافة الـ200 ميل ليست قاعدة آلية، بل حدٌّ أقصى يخضع لتسويات إنصافية تأخذ في الاعتبار الظروف الجغرافية والسيادية الخاصة.
2. إغفال مبدأ “الظروف الخاصة” ومبدأ الإنصاف
محكمة العدل الدولية في قضية North Sea Continental Shelf (1969) رسّخت قاعدة مفادها أن ترسيم الحدود البحرية لا يقوم على خطوط هندسية جامدة بل على "حل منصف يراعي طبيعة السواحل".
كذلك أكّدت قضايا Libya/Malta (1985) وBangladesh/Myanmar (2012) أن الجزر الصغيرة، القواعد الأجنبية، والانكسارات الساحلية تُعدّ "ظروفاً خاصة" تقتضي تعديل الخط المتوسط.
تجاهل الكاتب لهذه المبادئ يُفقد تحليله الأساس القانوني الملزم لأي عملية ترسيم.
3. خطأ في تعريف الجرف القاري
ورد في المقال أن الجرف القاري "يمتد إلى مسافة 200 ميل بحري". وهذا تبسيط خاطئ.
فالمادة (76) من اتفاقية الأمم المتحدة تنصّ على أن الجرف القاري هو "الامتداد الطبيعي للإقليم البري تحت البحر"، وقد يمتد لأكثر من 200 ميل إذا استمر الامتداد الجيولوجي.
وعليه، فإنّ حدود الجرف لا تُحدّد بمسافة ثابتة بل بقرائن علمية وجيولوجية، ما يجعل توصيف الكاتب قاصراً وغير مطابق للنص الدولي.
ثالثاً – في عرض اتفاق لبنان–فلسطين المحتلة (اتفاق الناقورة)
1. عدم الدقة في توصيف مضمون الاتفاق
القول أن "الاتفاق حدد خط الأساس والمنطقة الاقتصادية الخالصة لكل دولة" غير صحيح، لأن الاتفاق لم يتضمن اعترافاً متبادلاً بالسيادة، بل اقتصر على تحديد حدود مناطقية لأغراض استثمار الموارد الطبيعية، دون أن يُنشئ ترسيماً حدودياً نهائياً بمفهوم القانون الدولي.
2. الخلط بين الاستغلال الاقتصادي والحق السيادي
إنّ الإشارة إلى أن إسرائيل "تستثمر حقل كاريش منذ سنوات" بينما "لبنان لم يستفد لأن مناطقه لا تحتوي على ثروات منتجة" استنتاج غير مبني على وقائع مثبتة.
فعمليات الاستكشاف اللبنانية بدأت بعد تسوية النزاع الحدودي، وليس لعدم وجود موارد.
ثمّ إنّ الاتفاق الجنوبي لا يمكن أن يُقاس بمنطق الأرباح الآنية، بل بمبدأ تحصين السيادة القانونية على الموارد قبل الاستثمار.
3. تجاهل الأساس القانوني الذي بُني عليه الموقف اللبناني
إستند لبنان في مفاوضاته الجنوبية إلى مبدأ "الظروف الخاصة" لتعديل الخط 1 واعتماد الخط 23 كحدٍّ منصف، وهو المبدأ نفسه الذي يجب أن يُطبّق شمالًا في علاقته مع قبرص.
يتجاهل المقال هذه الموازاة، مما يُضعف منطقه التحليلي ويُظهر تناقضاً بين المعيارين المعتمدين جنوباً وشمالاً.
رابعاً – في مغالطات العرض المتعلق باتفاق لبنان– قبرص
1. الادعاء بأن الاتفاق أُقرّ ونُفّذ
الاتفاق الموقّع في 17 كانون الثاني 2007 بين لبنان وقبرص لم يُصدّق عليه من الجانب اللبناني، ولم يُودع الأمم المتحدة، وبالتالي لا يُعتبر اتفاقاً نافذاً.
وصفه في المقال بأنه "تم إقراره منذ فترة قصيرة" غير صحيح قانوناً، لأن المصادقة شرط لازم لدخول أي معاهدة حيّز التنفيذ وفقاً للمادة (52) من الدستور اللبناني والمادة (14) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969).
2. تجاهل الوضع السيادي غير المكتمل لقبرص
لم يأتِ المقال على ذكر معاهدة إنشاء جمهورية قبرص لعام 1960 التي استثنت منطقتي أكروتيري وذكيليا من السيادة القبرصية وأبقتا تحت سيادة المملكة المتحدة.
وبذلك، فإن السواحل المواجهة لهاتين المنطقتين لا تولّد حقوقاً بحرية للجمهورية القبرصية، ولا يجوز احتسابها في أي خط متوسط مع لبنان.
هذا العنصر السيادي يُعدّ "ظرفاً خاصاً" جوهرياً في ضوء اجتهاد محكمة العدل الدولية في قضية Cameroon/Nigeria (2002)، حيث أكدت أن السيادة الفعلية شرط أساس لأي احتساب بحري مشروع.
3. إغفال الانقسام الداخلي في الجزيرة القبرصية
نحو 37% من أراضي قبرص خارج سيطرة الحكومة المركزية، ما يخلق حالة من "السيادة المجتزأة" لا يجوز إغفالها عند تقييم الأهلية القانونية لأي ترسيم.
إنّ إدراج قبرص في المقال كطرف ذي سيادة بحرية كاملة يفتقر إلى الدقة، ويتجاهل واقعاً سياسياً وقانونياً مؤثراً.
4. الإيحاء بأن "قبرص تستثمر والمنفعة دليل على الشرعية"
إنّ الشرعية القانونية للخط البحري لا تُقاس بمستوى الاستثمار أو الإيرادات الاقتصادية، بل بتوافق الخط مع قواعد القانون الدولي.
إنّ استغلال قبرص لمواردها لا يجعل خطوطها البحرية صحيحة قانوناً، خصوصاً أن أنقرة نفسها تطعن في شرعية تلك الخطوط وتعتبرها منتهكة لحقوق القبارصة الأتراك.
خامساً – في الاستنتاج العام للمقال
إنّ الاستنتاج الذي خلص إليه الكاتب، ومفاده أنّ "لبنان لم يحقق أي فائدة لأن مناطقه محددة على الورق فقط"، يقوم على منطق غير قانوني لأسباب ثلاثة:
1. يتجاهل مبدأ السيادة قبل الاستغلال:
لا يمكن لدولة أن تستثمر مواردها البحرية قبل تثبيت سيادتها القانونية عليها، وهو ما بدأ لبنان بتحقيقه تدريجياً عبر المرسوم 6433 (2011) واتفاق الناقورة (2022) وإعادة تقييم خط 2007 مع قبرص.
2. يُساوي بين الترسيم الاقتصادي والترسيم القانوني:
بينما الأول قابل للتعديل والتفاوض، يخضع الثاني لقواعد الإنصاف والسيادة الدائمة، ولا يُختزل في خطوات إجرائية.
3. يُغفل أن اتفاق 2007 نفسه محلّ مراجعة قانونية:
وهو ما يجعل أي استنتاج مبني على افتراض "استفادة قبرص" مقابل "خسارة لبنان" غير ذي قيمة قانونية.
سادساً – النتيجة القانونية
1. تُلزم إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الأطراف بالسعي إلى حلول منصفة تراعي الظروف الخاصة، ولا تجيز اعتماد خطوط نهائية دون هذه المراعاة.
2. إنّ الاتفاق اللبناني– القبرصي لعام 2007 غير نافذ، ولا يمكن الركون إليه كمرجع في قياس المنافع أو في تحديد الحقوق.
3. إنّ سواحل القاعدتين البريطانيتين (أكروتيري وذكيليا) لا تولّد حقوقًا بحرية لقبرص، واستبعادها واجب وفق مبدأ السيادة الفعلية.
4. إنّ المقارنة بين مستوى الاستثمار الاقتصادي للدول لا تصلح حجة لتقييم صحة الترسيم القانوني.
5. إنّ مبدأ السيادة والإنصاف يبقى أساس تحديد الحقوق البحرية، لا مبدأ الاستفادة الاقتصادية الآنية.
إنّ المقال موضوع الرد يقدّم عرضاً تبسيطياً ومشوَّهاً لأحكام القانون الدولي للبحار، ويتجاهل عناصر جوهرية تؤثر مباشرة في الموقف اللبناني القانوني حيال قبرص وإسرائيل.
فالترسيم البحري ليس مجرّد عملية هندسية أو اقتصادية، بل هو ممارسة سيادة وفق قواعد الإنصاف والسيطرة الفعلية.
وبالتالي، لا يمكن اعتبار اتفاق 2007 ملزماً أو منتهياً، ولا أن يُستند إلى مستوى استثمار قبرص أو إسرائيل للحكم على شرعية الموقف اللبناني.
إنّ الاستنتاج الصحيح قانوناً هو أنّ لبنان ما زال في طور تثبيت حدوده البحرية وفقاً للمعايير الدولية، وأن له حقاً مشروعاً في إعادة التفاوض على الأسس التي تكفل له سيادة منصفة وكاملة على موارده الطبيعية.