شربل صيّاح

أحزاب لبنان بين اليمين واليسار... الفصل الرابع: حركة أمل

6 دقائق للقراءة

قراءة فكرية في جوهر التّجربة اللّبنانية

لطالما شكّلت مفاهيم "اليمين" و"اليسار" محور النقاش السياسي والفكري في كل المجتمعات الحديثة. باختصار، يمكن القول إن اليمين يرتبط غالبًا بالتمسك بالهوية التقليدية، والدفاع عن القيم المجتمعية الراسخة، واعتماد سياسات اقتصادية قائمة على السوق الحر والمبادرة الفردية. أما اليسار فيتجسد في الانفتاح على التنوع، والسعي نحو التعددية الاجتماعية والسياسية، وتعزيز العدالة الاقتصادية والاجتماعية، أحيانًا عبر سياسات تدخل الدولة لتوزيع الموارد وحماية الفئات الأضعف.

في سياق لبنان، حيث الأحزاب عادة براغماتية أكثر من كونها أيديولوجية، تصبح هذه التصنيفات أقل وضوحًا.

‏‎ومن هذا المنطلق، يجب التنويه بأن تصنيف الأحزاب اللبنانية ضمن معايير اليمين واليسار الفلسفية الغربية لا يعكس بدقة طبيعة الواقع السياسي في لبنان. فهذه التصنيفات، في سياقنا المحلي، تبقى أدوات جدلية لفتح النقاش وتحفيز التفكير، لا قواعد جامدة لتقييم الواقع. وهنا يكمن دور الكاتب اليوم: ألا يكتفي بوصف الأمور، بل أن يطرح جدلية التفكير المستمر، ويُشجّع القراء على فهم التحولات الاجتماعية والسياسية بشكل نقدي، ليصبح النقاش وسيلة للتطور والوعي، لا مجرد تصنيفات أيديولوجية جامدة.

لطالما كانت حركة أمل ظاهرةً سياسيةً يصعب تصنيفها في خانةٍ محددة، إذ تتقاطع في جوهرها بين الدين والسياسة، وبين المظلومية والتحرّر، وبين الطائفة والوطن. فمنذ تأسيسها على يد الإمام موسى الصدر في سبعينيات القرن الماضي، مثّلت الحركة محاولةً فريدةً لترجمة فكرة “الحرمان” إلى مشروع وطنيّ يسعى إلى إدماج الإنسان الجنوبي، بل الإنسان الشيعي عامّة، في بنية الدولة اللبنانية التي طالما همّشته.

الإمام موسى الصدر لم يكن مجرد زعيم سياسي أو رجل دين؛ كان مفكرًا استثنائيًا يرى في الطائفة مشروع إنساني قبل أن يكون مشروعًا سياسيًا.

أسّس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وأطلق “حركة المحرومين”، التي ستُعرف لاحقًا باسم حركة أمل، ليس لإقامة سلطة طائفية، بل لتأسيس وعي سياسي جديد يرى الطائفة شريكًا في الدولة لا خصمًا لها.

بهذا المعنى، شكّل الصدر لحظةً تاريخية في تكوين الـpersona politica الشيعية: السياسة امتدادٌ للعدالة، لا ساحةً للصراع على النفوذ.

في خطابه الشهير “نداء الأنبياء”، قبل أيامٍ من اختطافه، عبّر موسى الصدر عن تأييده لولاية الفقيه، لكن بشكل يجب فهمه في إطار فلسفي واجتماعي أكثر من كونه إعلانًا سياسيًا أو وصفةً صالحة للتطبيق في لبنان.

كان الصدر يرى في ولاية الفقيه إمكانيةً لتحقيق نوع من العدالة، بوصفها نموذجًا أخلاقيًا يوازن بين القيادة والمسؤولية، لا وصفةً مطلقةً لتطبيقها حرفيًا أو لتقليد النظام الإيراني.

هذا التأييد يعكس فهمه للعدالة في السياق الإسلامي، وليس موقفًا دعائيًا أو تأييدًا للسيطرة السياسية المطلقة.

لكن الواقع اللبناني، وخصوصًا اندلاع الحرب اللّبنانية، جعل من براغماتية الصدر ضرورةً ملحّة.

وقف ضد الحرب، وحاول أن يكون شريكًا لا خصمًا، جامعًا لا قاسمًا، مؤمنًا بأن الحوار هو الوجه الآخر للمقاومة.

ومع غيابه، تحوّل المشروع تدريجيًا في عهد نبيه برّي، الذي حوّل الحركة من مشروع إصلاحي اجتماعي إلى لاعبٍ مركزي في منظومة الدولة.

 

من موسى الصدر إلى نبيه برّي: مأزق الدولة

تجربة الصدر كانت محدودة المشروع وواضحة النية، بينما تجربة برّي كانت بلا حدود، تحكمها ضرورات البقاء داخل النظام أكثر من المثاليات الإصلاحية.

دخلت أمل الدولة المركزية التي كانت أصل الحرمان الجنوبي، وبدل أن تُعيد التوازن، أصبحت جزءًا من منظومة تولّد الحرمان نفسه بطرق أكثر براغماتية.

المفارقة الكبرى هنا: كلما حاولت الحركة حماية طائفتها وممارسة وجودها داخل الدولة، زاد الجنوب معاناةً بدل أن يقلّ حرمانه.

هنا تكمن المفارقة الكبرى — أن من يُفترض أن يكون مدافعًا عن الإنسان المحروم، قد يصبح أحيانًا عاملًا في إنتاج الحرمان بطريقة جديدة.

وبرّي، الذي دخل في الاتفاق الثلاثي ضمن حلف الأقليات في الثمانينيات،

واستطاع لاحقًا أن يبني علاقات مع الخليج،

يمثّل المثال الأوضح للبراغماتية التي توازن بين حماية الطائفة ومرونة المصلحة الإقليمية،

لكنّ هذه المرونة لم تنتقل بعد إلى إعادة توزيع الفرص الاقتصادية في الجنوب.

 

يسار البداية ويمينية الصدر الأخلاقية

من المهم أن نلاحظ التحوّل التاريخي للحركة:

• أمل نشأت كحركة يسارية في الجوهر، تدعو إلى كسر حلقة الحرمان وتحقيق العدالة الاجتماعية.

• مع برّي وتجربتها داخل الدولة، تجسدت يمينية الصدر الأخلاقية في الممارسة السياسية، حيث أصبح التركيز على تمكين الفرد والمجتمع المحلي داخل الدولة المركزية بدل التمركز حول طبقة أو طائفة معينة.

• بهذا المعنى، يمكن القول إن الحركة تتأرجح بين اليمين واليسار، حسب المرحلة والسياق، محافظة على جوهرها الاجتماعي، ومتأقلمة مع الضرورات السياسية الواقعية.

كسر حلقة التهميش في رؤيتها لا يتم بالسلاح خارج الدولة، بل بالإرادة الذاتية وتمكين الإنسان من حقه في العمل والمبادرة والكرامة.

أما في عهد برّي، فقد تحوّل هذا المفهوم من مشروع يساري إلى فن للبقاء داخل النظام، بحيث تمارس أمل السياسة توازنًا بين الممكن والمطلوب، لا بين الحق والعدالة.

وهنا تتجلى المفارقة المدهشة والمقلقة:

الدخول إلى الدولة، الذي يُفترض أن يكون وسيلة لإنهاء الحرمان،

قد أصبح سببًا إضافيًا في إعادة إنتاجه، بشكل أكثر دقة وشرعية.

أي أنّ حركةً ولدت لتحرير الإنسان، قد تصبح — عن غير قصد — عنصرًا في تكرار الحرمان نفسه.

 

خاتمة: الإشكالية الجريئة

حركة أمل إلى بداياتها الأولى،

إلى تلك الفكرة التي ربطت العدالة بالإنتاج، والكرامة بالمسؤولية؟

وهل يمكن أن تتحوّل الدولة المركزية نفسها، التي أنشأت جزءًا من الحرمان،

إلى فضاءٍ يمنح الإنسان حقه في الحضور الاقتصادي والاجتماعي، بدل أن تُكرّره؟

ربما يكون الخلاص في العودة إلى يمينية الصدر الإنسانية،

حيث العدالة لا تُفرض، بل تُبنى من الداخل،

وحيث كسر الحرمان لا يكون بالسلاح ولا بالولاء،

بل بإعادة الاعتبار إلى الإنسان كغاية، لا كوسيلة.

يبقى السؤال مفتوحًا :

هل أراد موسى الصدر أن يُدخل الشيعة في الدولة، أم أن يُدخل الدولة في ضمير الشيعة؟

ومع فشل الحركة في تطبيق نموذج اقتصادي مركزي قادر على إخراج الجنوب من دائرة الحرمان،

تثار إشكالية جديدة: هل ينبغي على حركة أمل اعتماد سياسة اقتصادية أكثر مرونة، تدعم المبادرات الفردية والمشاريع الصغيرة، وربما التفكير في نموذج قريب من كونفدرالية اقتصادية، يتيح للجنوب مساحة أكبر من الاستقلالية الاقتصادية؟