صدر أخيرًا عن "دار سائر المشرق" كتاب "سمعان القيروانيّ" للوزير السابق النائب ملحم الرياشي. يتناول الكاتب من خلال سيرة ومسار الرجل الذي سخّره الجنود الرومان لحمل صليب السيد المسيح وهم يسيرون به على طريق الجلجلة إلى الموضع الذي كانوا مزمعبن أن يصلبوه فيه، مواجهة الإنسان مصيره فجأة، حين تتفتح أعماق روحه لتعكس جوهره الحقيقي. يتأمل الرياشي من خلال ما دوّنه، في اللحظات التي تشكل وجود الإنسان، حيث يتحوّل الألم إلى بصيرة، والتجربة العابرة إلى علامة خالدة تتجاوز الزمان والمكان. ويدعو المؤلِّف، القارئ، ليُدرك أنّ الانحناء أحيانًا يحمل بذور القيامة، وأنّ المِحَن تولِّد نورً دائمًا.
من خلال تجربة القيرواني تتحوّل رمزيّة حمل الصليب إلى استعارة لكلّ تجربة تصنع الإنسان، الصبر، الحب، ومواجهة المخاطر. فينبثق من حادثة تاريخية بسيطة، فضاء رحب للتأمُّل في الحرية والذاكرة والمعنى.
كتاب الرياشي الذي تنشر "نداء الوطن" فصلًا منه، يمزج بين عمق الفكر وسحر السرد، ليصحب القارئ في رحلة صادقة إلى قلب الإنسان، حيث تولد القوة من الضعف، وتنمو الحرّية من المعاناة، ويصبح كلّ موقف فرصة لاكتشاف الذات.
كان شيربور، ملاك الشيروبيم، واقفًا عند تخوم النور، يتأمّل في كتاب الحياة المفتوح أمامه. كانت صفحاته من نور، وكلّ كلمة فيه تنبض بسرّ من أسرار الوجود. اقترب منه سيرفور، ملاك السيرافيم، ولهيب حضوره لا يحرق بل ينقي.
قال سيرفور بنبرة ملؤها الدهشة: "أراك غارقًا في التأمل يا شيربور… ما الذي يشغل فكرك في هذا الأفق الساكن؟".
أجابه شيربور وهو لا يزال يحدّق في الكلمات المتوهّجة أمامه: "الموت، يا أخي… أفكِّر في ذلك الحاجز الرقيق الذي يفصل بين الحياة الأولى، والحياة الحقيقية". ابتسم سيرفور، لكنه بقي صامتًا. كان يعلم أن هذا الحوار لن يكون عاديًا. ففي الأفق، كان هناك حدثٌ يتكرّر في الذاكرة السماوية… الصليب، وعرق إنسان، وقطرات دمٍ تسيل من الله.
سار الاثنان معًا على درب من نور، تحته مجرّات تتراقص، وفوقه أنغام الصلاة ترتفع من الأرض إلى العرش.
قال سيرفور: "الناس يخافون من الموت، لكنهم لا يدركون أن ما يخيفهم حقًا هو الحياة التي قد تلي الموت… أن يستفيقوا في القبر، أن يتنفسوا في ضيق الحفرة".
أجابه شيربور: "وهل في التنفس خوف؟".
ردّ سيرفور: "عندما يكون في العتمة، بين الجدران الصامتة، نعم. الإنسان يخاف أن يُبعث وليس هناك من يسمعه. يخاف أن يُحيا قبل أن يُفتَح القبر".
صمت شيربور قليلًا، ثم قال: "وهذا هو جوهر الخوف من القيامة. ليس من الحياة، بل من أن تكون وحيدًا فيها".
توقفا فوق مشهد أرضي؛ كان الزمان أرضيًا والمكان أورشليم. وكان اليوم يومًا لن يُنسى. رأيا سمعان القيروانيّ يسير مع ولدَيه في سوق مزدحم.
قال شيربور: "انظر… هناك يبدأ الجزء الذي أردت أن أريك إياه".
اقتربت الرؤية، فبان سمعان بوضوح. رجل قوي البنية، من قرينية في ليبيا في شمال أفريقيا، لا يعرف ما ينتظره. طفلان صغيران إلى جانبه، ينظران بدهشة إلى صخب المدينة وحرّ ذلك النهار.
قال سيرفور مبتسمًا: "هل كان يعرف أن خطواته البسيطة تلك ستكون مكتوبة هنا في هذا الكتاب؟".
أجاب شيربور: "لا… لكنه كان يُقاد. لم يعرف أن هناك يدَين غير مرئيّّتَين ترسمان طريقه (...).
كان صوت المطارق قد بدأ يعلو كمناجم الحديد فوق الجلجلة. لكنه بدا بعيدًا عن سمعان، كأنه من عالم آخر.
قال سيرفور متأملًا: "أحيانًا لا يُطلَب من الإنسان أن يموت لأجل الحقيقة…".
ردّ شيربور: "وأن يضع كتفه تحت صليبها، دون أن يسأل لمن أو لماذا".
جلس سمعان جانب الطريق، منهكًا، يحمل ابنَيه إلى جانبه. كان يشعر أن قلبه تغيّر. بدأ الناس يتفرّقون، لكن داخله لم يكن قادرًا على الحركة. كان هناك سؤال يضجّ فيه بقوة: "من كان هذا الرجل؟ ولماذا شعرت أنني كنت أحمل أكثر من جسد؟".
قال روفوس: "أبي، لقد نظرت إليه وكأنك تعرفه".
أجاب سمعان: "لا أعرفه… ولكني شعرت أنني كنت أعرفه قبل أن أولد".
نظر إليه ألكسندروس بدهشة: "لقد نظر إليك، وكأنه يعرف اسمك".
ابتسم سمعان ابتسامة حزينة: "نعم، وكأن اسمي كان مكتوبًا على خشب الصليب".
في السماء، صمت الملاكان للحظة. قال شيربور: "انظر كيف بدأ النور يتسلّل من جراحه… لقد دخل إلى موكب الجلجلة غريبًا، وخرج منه شاهدًا".
ردّ سيرفور: وسيحمل هذه الشهادة إلى قرينية. إلى بيته، إلى جيرانه، إلى كل من يسأله: "ماذا رأيت في أورشليم؟". (...)
قال شيربور: "الإنسان لا يحتاج أن يصنع المعجزات ليكون جزءًا من الخلاص… يكفي أن يكون حاضرًا في اللحظة التي تُحفر في الزمن ويُحفر فيها الزمن".
قال سيرفور: "حضوره لم يكن عبثًا. لقد كُتبت خطواته على درب الفداء، بالدمّ لا بالحبر".
على هامش الزمن، في فسحة الملائكة، سكن الصمت. قال شيربور بصوت خافت، أقرب إلى الصلاة: "من يضع كتفه تحت ألمٍ ليس له، يُشبهنا نحن… نحن الذين نخدم، ولا نُرى".
ردّ سيرفور: "لكننا نُسجّل. وها أنا أكتب الآن، كان هناك إنسانٌ اسمه سمعان، ومشى على طريق الجلجلة".
عاد الملاكَان إلى موضعهما، بعد أن طافا في الزمن واختبرا لحظة أثقلت تاريخ الخلاص (...).
في الأرض، كانت عائلة سمعان تتغير. كبر ألكسندروس وروفوس، وكلما سألهما أحد عن أبيهما، قالا: "كان أبونا رجلًا عاديًا… حتى حمل صليبًا لم يكن له، فصار رجلًا آخر".
قال شيروبور: "وهكذا يُكتب الخلود في سطور البشر".
سأل سيرفور: "هل يخاف الإنسان من الموت… أم من أن يُنسى بعده؟".
أجاب شيربور: "ربما الاثنين. لكن الأخطر من الموت، هو القيامة بلا معنى. أن يستيقظ الإنسان ليجد نفسه وحده، صامتًا، بلا اسم، بلا نور".
تأمّل سيرفور في قبرٍ مفتوح، وقال: "هناك من يتمنى أن يُترك في الموت، لأنه لا يصدق أن الحياة قد تعود" (...).
ذلك الرجل… ليس في عينيه ما يشبه عيون المجرمين الذين رأيتهم في حياتي. ليست فيه قسوة ولا هلع، بل شيء لا أجد له اسمًا… قد يكون الصفاء، اأو ربما هو التسليم المطلق. حتى حين ضربه أحد الجنود على ظهره، لم يلتفت ليصرخ أو يلعن، بل تابع السير كأن الضربة لم تصبه في جسده بل عبرته إلى مكان آخر. أتساءل ماذا فعل ليقف هنا، محاطًا بالحديد والشتائم؟
في مدينتي، إذا أخطأ الرجل، يحاكمه وجهاء السوق، يوبّخونه أو يغرّمونه أو ينفونه. أما هنا، فالخطيئة تكفي أن تكون فكرة لا تعجب الحاكم أو الكاهن، تكفي أن تقول كلمة تزعج أذنًا نافذة.
أشعر بخشب الصليب على كتفي وكأنني أحمل فوق ظهري كل أوزار البشر. الخشب خشن، فيه شقوق صغيرة تلتصق بجلدي، كأنها تريد أن تزرعني فيه. ليس هو خشبًا عاديًا، فيه حرارة غريبة… حرارة لا تأتي من الشمس، بل من الدماء التي سالت عليه، من الآهات والأوجاع التي امتصّها، من الأرواح التي انتُزعت وهي مصلوبة عليه. ترى هل يشعر الخشب بذنوب من يُصلب عليه؟ وهل يُعذَب هو أيضًا حين يُجبر أن يصير أداةً للموت؟
أفكّر في معنى الحياة… كم مرّة نعيشها ونحن نظن أننا أحرار، بينما نحن محمولون مثل هذا الصليب، لا نختار الطريق ولا السرعة ولا حتى النهاية.
أفكّر في الموت… ليس هو دائمًا نهاية الطريق، أحيانًا يكون رفيقًا يسير معنا منذ البداية، يختبئ خلف الضحكات، ويطلّ فجأة في لحظة كهذه، وسط عرقنا وأنفاسنا.
ذلك الرجل أمامي يحمل موتَين: موت الجسد الذي يقترب، وموت الثقة بين البشر، حين يقفون متفرّجين على صلب العدالة. أيّهما أشد قسوة؟ أن يفنى الجسد، أم أن ترى العدالة مصلوبة أمامك ولا تستطيع أن تمد يدك لفك قيدها؟
