يستمرّ المفكر والكاتب دريد عوده في إغناء المكتبة المسيحانية من خلال إصداراته اللاهوتية (سلسلة الشافي بالنور)، وآخرها كتابه بمناسبة الشهر المريمي "ابن المرأة، ظهور المسيح على مريم العذراء بعد قيامته" الصادر عن "دار سائر المشرق" بالتعاون مع "منشورات الرائي المستنير، نيويورك"، وهو كتابه الـ 20، وإصداره السادس مع "سائر المشرق" بعد "حصّادو الشمس – كتاب حياة الاستنارة"، "يسوع الأسيني، حياة يسوع السرّية"، "براعم الأزل"، "لغة الأرض الأولى"، و "الشافي بالنور- سِفْر القيامة الروحية". ويكتسب هذا الكتاب الرؤيوي بعدًا كشفيًّا فريدًا يكرِّس تقاليد الكنيسة القائلة إنّ الابن البار أول ما زار أمّه بعد أن قام من الموت رغم أنّ الأناجيل لم تذكر بوضوح ظهور المسيح عليها. وهنا أجواء اللقاء المؤثّر والمفعم بالأسرار الأولى والأخيرة...
الباب مشقوق. ساعات بعد الظهيرة تعلن تباشير قدوم نجمة المساء. سكينةٌ عميقة تلفّ المكان؛ كأنَّ السماء أسدلت عليه صمت الله. مريم في ابتهالٍ عظيم: روحها تناجي خالق السماوات. هي في وحدةٍ كاملة مع نفسها، منفردة بها، مختلية بذاتها كساقيةٍ متكوِّرة على نفسها في أعماق الأرض، لا تريد أن تخرج إلى ضجيج الأنهر وهدير الموج وصخب البحار. وهي مختليةٌ بالله الآب. إذ متى خلدنا إلى ذاتنا العميقة، نخلد إلى ذات الله.
وبعد منتصف الليل هبَّت ريحٌ خفيفة. سُمِعَ صرير الباب، لكنَّ الباب لم يُفتَح. كأنَّ الريح تطرق مستأذنةً قبل الدخول. فحتى الرياح تحترم حرمة البيوت؛ لا تنتهكها إلّا متى لم يعد سكّانها يحترمون حرمتها.
مريم مُطبقةٌ أجفانها. حرمة نفسها لا يدخلها أحد. روحٌ مسافرة في العوالم الخفيّة؛ لكأنَّ السماء علقت بين أشفار عينيها.
هبَّت الريح مرّةً ثانية كأنّها تلحّ على الدخول. انفتح الباب قليلا ثم أوصِد بقوة.
مريم لا تُحرِّك ساكنًا؛ كأنّها انفصلت عن المكان. تسمع ولا تسمع، ترى ولا ترى، تشمّ ولا تشمّ... حواسها الداخلية مفتوحةٌ على مكانٍ آخر ليس من هذا العالم؛ قد يكون فيه لكن ليس منه. بوّابات الكون مشرَّعةٌ على مصراعيها أمام روحها، بصيرتها. دقّات قلبها ترافق نبضات قلب العوالم المنظورة وغير المنظورة.
نبضات تلك العوالم هي خفقات قلب الله. وتلك الطاقة المنسابة فيها هي نوره. وصوتها الخفيّ كلمته، كلمة البدء. وضجيجها قد يكون صرخة المصلوب الأخيرة.
هذا أنا يسوع
"أمّاه!" ملأ صوتٌ الأرجاء. لم تفتح مريم عينيها. باب نفسها مغلقٌ على الخارج. وحده بحرُ الداخل يمور بفقش قلبها وهمس روحها.
"أمّاه!" ملأ الصوت الأرجاء ثانية. بيدَ أنَ عذراء البحر مأخوذةٌ في جَزْرٍ أخّاذ إلى جُزُر الروح السعيدة.
"أمّاه! هذا أنا، يسوع..." ملأ الصوت أرجاء نفس البتول؛ أتاها من داخلها هذه المرّة.
صخب الموجُ بذاك الذي رفَّت روحه على وجه الماء في البدء، وبذاك الذي مشى على المدّ آتيًا إلى يابسة القلوب على أقدام إلهة المحبّة.
ترقرقت دمعةٌ على خدِّها كجمرةٍ طفحت بنارها أخيرًا. مدَّ يسوع يده ومسح دمعتها. استيقظت فرأت. بلَّلت الدمعة مقلب يده المثقوبة واخترقتها حتى كفِّه؛ مثلما يخترق المطر وجه الأرض إلى أعماقها. سال الدم المتخثِّر على يده. امتزج دمع الأم بدم الابن.
بالدمع ثبّتت الأمُّ "الابن"، وبالدم ثبَّت الابنُ "الروحَ القدس" فيها. هوذا ميرون التثبيت الحقّ، ميرون الروح! وهوذا العذراء كنيسة الربّ الأولى! وهوذا أيقونة الحلول والقيامة! منها وُلِد، بالجسد. وها هي تولد منه، بالروح.
جرحي الأبلغ وجع قلبك
أرادت أن تلمسه، أن تغمره، أن تقبِّله.
"لا يا أمّاه! ليس بعد..." قال لها.
أدركت العذراء أنَّ المسيح متجلٍّ لها الآن بجسده الروحي. لكنَّ يديه مثقوبتان! ورجليه أيضًا!
نظرت إليه مريم. عاينت يديه وكفّيه، رجليه وقدميه.
حبّذا لو تغسل جراحه بدموعها! حبّذا لو تعانقه علّها تأخذ آلامه!
"وحده المسيح يا امرأة جراحُ جسده جراحُ روحه،" قال لها.
يا امرأة! ناداها كما في عرس قانا!
ما إن قال لها هذا حتى رشح دمه من كامل جسده الروحي، من كلّ جسده النوراني؛ كشمس الغروب التي تنضح حمرتها من جبّة الشفق. لم تستطع الأم أن تحبس دمعتها رغم فرحتها العامرة بقيامته في المعمورة.
ناداها هذه المرّة كأمّه: "ما ترينه يا أمّاه ليست جراحي فقط. جسدي الآخر ينضح بجراح جميع البشر. جسد التراب ينضح بجراح الشجرة حين تصعقها العاصفة أو تقطعها الفأس. لكنَّ الجسد الروحي يرشح بأوجاع شجرة الحياة. حتى أعدائي الذين جرَّعوني كأس الموت، ها أنذا أحمل جراحهم وأرشح بعذاباتهم! فأكثر دمٍ يخرج منّي أنا شجرة الحياة هو مرارة نفوسهم وعلقم أرواحهم. وأكثر من يتعذَّبون هم الأشرار ولو لثموا دموعهم بضحكة. وأمّا الأبرار فهوذا جسد النور مخضَّبٌ برجائهم".
ما إن قال يسوع هذا حتى تحوَّل جسده إلى نورٍ مشعّ. هال مريم ما رأت. هي الأجساد الثلاثة، غير الجسد الترابي، التي تتكلّم عنها الكتب الأولى تتراءى أمامها: الجسد الشعوري، الجسد الروحي وجسد النور أي الجسد السماوي!
فقال لها: "المسيح يا امرأة يتجلّى في أثوابه الأخرى في الأرض".
فجأةً ظهرت بقعة دم ناحية قلب يسوع فقال لأمّه: "هوذا عذاب قلبك يا أمّاه أحمله في جسدي السماوي. حملتُ جراح العالم في جسدَيَّ اَلْهُمَا من هذا العالم مثلما تحمل الشجرة جوعَ الطيور لثمرها وجوعَ الريح لورقها وجوعَ الحشرات لخشبها. لكن ها أنتِ يا أَمَة الربّ أبي تحملين في جسدك جراحي في العالم، جراح المسيح، جراح الفداء، مثلما تحمل الشجرة ببراعمها جوعَ النسيم للشذا وجوعَ النحل للعسل وجوعَ الأرض لثمرها الأخير لا لتأكل بل لتُطعِم، لا لتقطف ثمار الخريف الباقية بل لتُحضِّر موائد القطاف المقبل للمواليد الجدد. لذا في جسدي السماوي أحمل جراحك يا روح الأرض مثلما تحمل أختي الغيمة عطش التراب في حلقها وظمأ الشجر للنسغ في قلبها. أنا شجرة الحياة. ليس في فمي جوعٌ بل جوعُ الجِياع. وليس في قلبي عطشٌ بل ظمأُ العطاشى".
وأردف المسيح، والدمعة في عينَيه: "جرحي الأبلغ وجع قلبك يا أمّاه".
ردَّت الأم: "هل أنت حقيقي يا بنيّ؟!"
فقال لها: "بلى يا أمّاه! ما ترينه حقيقي. وطوبى لِمن رآني ولم ينظرني. والويل للّذين نظروا إلى المسيح ولم يروه. قليلًا وأعود إلى بيت أبي. وطوبى للألى سيُبصِرونني من دون أن يروني فإنّهم أفضل من الملائكة".
"إيشو زيوا!" هتفت مريم – يسوع النوراني.
أضاف المسيح: "طوبى للّذين يرونني في ثوب النور ولو كنت ملتحفًا كفني".
قالت مريم: "فيَّ شوقٌ عاصفٌ لكي أغمرك يا ولدي! فأصعب عليَّ من أن أضمّك إلى صدري وأنت ميت ألّا أضمّك إلى قلبي وأنت حيّ...".
اغرورقت عينا يسوع السماويتان.
"سيظل جرحُ المسيح الأعمق آثارَ يديك على جسد المصلوب. سيفتِّشون في مقبل الأيام والدهور عن جراحي في كفني ليعرفوني، هؤلاء هم الأموات!
وطوبى لهم من سيرون جرح روحك في كفني لأنّهم أحياءٌ فيَّ، وأنا حيٌّ فيهم، إلى الأبد".
أمنية مريم
"لي أمنية واحدة..." قالت له.
عرف يسوع ما تريده أمّه لكنّه تركها تتكلّم. فأجمل من الرغبة بالكلام أن تترك العالم يتكلّمون بما يرغبون.
"ألا تريد أن تأكل يا يسوع؟"
"هذا لمّا يأتِ زمنه بعد يا أمّاه! إلى مائدة أبي في السماء سأجلس ولو كانت أمنية قلبي أن أجلس إلى مائدتك وآكل من يدك يا روح الأرض".
عرف يسوع أنَّ أمّه تسأله أن يأكل لكي تتيقّن من أنّه حقيقة وليس سرابًا، فقال لها بكلماتٍ مُبهَمة: "لقد تأخّر بي الليل يا أمّاه! لكن ليكن لك ما تريدين...".
تكلّم يسوع عن أمنية قلبها لا قلبه، وهي أن يكون حقيقةً.
وقبل أن يتوارى خلف حُجُب المساء، قال لها: "ستأتيك العلامة يا أمّاه...".
كان هو
ضجّةٌ في الخارج! صياحٌ وهتاف! زغرداتٌ وبكاء!
"قام، حقًّا قام".
هذه ميريام المجدلية تصرخ بأعلى صوت. أتت إلى مريم أوّلًا لتُخبِرها... لم تطرق الباب الذي كان لا يزال مشقوقًا، و "شعاع الشمس" الأخير يتسلّل منه: خارجًا لا داخلا!
غمرها نورٌ خفيٌّ، غمرها النور الذي خرج توًّا من البيت وكاد أن يصدّها... لكنّها فتحت الباب بقوة. لا شيءَ قادرٌ على صدّها، حتى النور! تريد أن تزفَّ البشرى إلى سيدة البشارة. ها ميريام الجميلة في ثوبها الملوَّن، شعرُها مجدولٌ بالزهور وتعقده بشريطة بيضاء.
"أمّاه! قام يا أمّاه! حقًّا قام".
نظرت إليها مريم وقالت بهدوء: "اذهبي واخبري التلامذة."
صُعِقت ميريام من ردّة فِعل مريم الباردة إزاء قيامة ابنها. فقالت لها العذراء، مردِّدةً كلام يسوع: "طوبى لِمن رآه ولم ينظره. والويل للّذين نظروا إليه ولم يروه. قليلًا ويعود إلى بيت أبيه بعد أن عاد أمّه. وطوبى للألى سيُبصِرونه من دون أن يروه فإنّهم أفضل من الملائكة".
ذُهِلت ميريام من كلمات مريم. عرفت أنَّ الأم عرفت. عرفت أنّه كان هنا، وذاك النور الذي كاد أن يصدّها كان هو. رحلت ميريام لتُخبِر التلامذة.
قامت الأم إلى قِدر عجينها. رأت أنَّ قطعة العجين الأخيرة اختفت من المعجن: هذه ستكون خميرة الأرض وخبز الحياة. وكانت هذه الإشارة أنّه كان هو.
