بعد انطلاق أحداث الانتفاضة السورية بفترةٍ وجيزة، في ربيع عام 2011، اقترح المعارض السوري أديب الشيشكلي، حفيد الرئيس السوري الأسبق الذي يحمل نفس الاسم، اعتماد العلم السوري المعروف بعلم النجوم الثلاث ليكون رمزًا للثورة والمعارضة. لم يكن الاقتراح شكليًا، بل إشارةً إلى العودة إلى العلم الذي رُفع أول مرة عام 1932 زمن الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، والذي حمل ثلاثة نجوم حمراء تمثّل دمشق، حلب، ودير الزور. وكان هذا الطرح متأثرًا بتجربة الثورة الليبية التي أعادت اعتماد العلم الملكي القديم في مواجهة حكم القذافي.
وبالفعل، بدأ النشطاء يرفعون علم النجوم الثلاث في المظاهرات، في وجه علم النظام المكوّن من نجمين، والذي يعود إلى عهد الجمهورية العربية المتحدة (1958–1961) بين سوريا ومصر، حيث كان النجم الأول يمثّل مصر، والثاني يمثّل سوريا.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت تتكوّن فكرةٌ في الوعي العام بأنّ الصراع لم يعد سياسيًا، شعبيًا وعسكريًا فحسب، بل رمزيًا أيضًا بين علم بثلاثة نجوم وآخر بنجمين. كانت تلك بداية ما يمكن تسميته: "حرب النجوم" في سوريا.
انتهت "حرب النجوم" العنيفة والعنفيّة إلى ظهور نجم نظامٍ جديد، لكن تجاذبات النجوم الداخلية والخارجية ما زالت قائمة، تدور في مجرّات المصالح المتشابكة.
ديناميكيتان، داخلية وخارجية، تحكمان المشهد السوري الحالي.
تشكّل الديناميكية الداخلية من القوى أو المكوّنات السورية التي لها تأثيرها ووضعيتها في السياسة الداخلية. ويبرز في مقدّمتها النظام أو العهد الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرّع (تبنّى علم النجوم الثلاث) الذي يتمتّع باعترافٍ دوليٍّ واسعٍ وشبكة علاقاتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ كبيرةٍ تمهّد الطريق لإعادة بناء مؤسسات الدولة وما تهدّم من حجرٍ وبشر.
غير أنّ زخم السلطة المركزية لا يكتمل إلّا بتجميع عناصر القوّة الداخلية المؤلّفة من كلّ المناطق والفئات والطوائف بنجومها المتعدّدة، ولا سيّما تلك التي لا تزال تعيش حالةَ انتظارٍ أو عدمَ انخراط كُلّيّ في الوضع الجديد، كالطائفة العلوية في الساحل السوري والمحسوبة بجزء منها على النظام القديم بعَلَمه ذي النجمين، والطائفة الدرزية ذات رمز نجمة الحدود الخمس بأغلبيتها في منطقة السويداء، والمكوّن الكردي الموجود شرق وشمال شرق سوريا تحت مسمى قوات سوريا الديمقراطية (قسد) برمزية الشمس–النجم في وسط علمه، وغيرها من المكوّنات التي ما تزال تبحث عن موقعها في المشهد الجديد.
وفي مقابل هذه الديناميكية الداخلية، تتزاحم على المسرح السوري قوى إقليمية ودولية لها نجومها ورموزها ومصالحها المتشابكة.
تركيا، بعلمها الذي يتوسّطه النجم والهلال، تمتلك حضورًا سياسيًا واقتصاديًا واسعًا من خلال حدودها المباشرة مع الشمال السوري واحتضانها للمعارضة التي وصلت إلى الحكم، وتعمل بالتنسيق مع قطر لتفعيل دورها المحوري، آخذةً بعين الاعتبار حساسيتها التاريخية تجاه المسألة الكردية.
إسرائيل، بعلمها التي تتوسطه نجمة داوود الزرقاء، تتدخّل عسكريًا وسياسيًا من خلال حدودها مع الجنوب السوري بهدف خلق توازنٍ إقليمي وإبعاد النفوذ الإيراني والتركي عن مجالها الحيوي، ساعيةً إلى تثبيت معادلة سياسية امنية في المنطقة.
الولايات المتحدة الأميركية، بعلمها ذي الخمسين نجمة، تظلّ صاحبة النفوذ الأوسع وشبه الأوحد دوليًا، ولها كلمة الفصل بين القوى كافة، وتتحرّك في ظلّها دول الخليج كقوى مموِّلة، مسانِدة ومنفّذة.
روسيا، الساعية لاستعادة جزء من نفوذ «النجم الأحمر» السوفياتي، تطمح إلى الإبقاء على حدّ أدنى من نفوذها السياسي والعسكري الجوي والبحري، وما الاجتماعات الأخيرة للرئيس الشرّع في موسكو إلّا تأكيد على ذلك.
أما الاتحاد الأوروبي، بعلمه المكون من نجومه الاثني عشر، وبقربه الجغرافي واستضافته للأغلبية الساحقة من اللاجئين السوريين، فيلعب دورًا اقتصاديًا واجتماعيًا مهمًا في استقرار سوريا الجديدة، وإن بقي دوره ثانويًا مقارنة بالقوى المؤثرة الأخرى.
في الفيلم الشهير «حرب النجوم» (Star Wars) للمخرج جورج لوكاس، تقول احدى شخصياته ، يودا:
«الخوف هو الطريق إلى الجانب المظلم.
الخوف يؤدي إلى الغضب.
الغضب يؤدي إلى الكراهية.
الكراهية تؤدي إلى المعاناة.»
وفيما تتسارع حركةُ الديناميكية الخارجية، وذلك بعد الاجتماع الأخير بين الرئيس ترمب والرئيس الشرّع في البيت الأبيض، نحو حلولٍ وتسوياتٍ إيجابية تحفظ المصالح الكبرى، تبقى الديناميكية الداخلية رهينةَ عدمِ الوقوع في فخّ الخوف من الآخر أو تهميشه، الخوف من تشريح الواقع، ومن المحاسبة العادلة كمرحلةٍ انتقاليةٍ لطيّ صفحة مليئة بالكراهية، تُنسي البلاد ما مرّ بها من معاناة ونجومِ ظهر.