د. بولا أبي حنا

إلى انتخابات مجلس نقابة المحامين… حيث يُختبر ضمير المهنة

4 دقائق للقراءة

في صباح الانتخابات، ليست الورقة مجرد حبر وأرقام، بل انعكاس مباشر لضمير المهنة ووعي المحامين أمام أعين الوطن. هذا الاستحقاق ليس حدثًا روتينيًا في بيروت؛ إنه لحظة يقرر فيها المحامون ما إذا كانوا سيحمون كرامة النقابة ويصونون استقلالها، أم يتركون الانقسامات والولاءات تتحكّم بمسار العدالة.

انتخاب مجلس نقابة المحامين ليس مجرد استحقاق دوري، بل منعطف يختبر حقيقة "رسالة المحاماة" في بلد تتداعى فيه أعمدة الدولة ويكاد ميزان العدالة يُختزل برماد وهيبة مفقودة. إنّ انتخاب مجلس النقابة هو امتحان لمستوى الوعي داخل المهنة، لا سباقًا عابرًا بين المرشحين، لأن هذا الموقع كان، تاريخيًا، صمّام أمان حين فشلت الدولة، وحارسًا لهيبة العدالة حين اهتزّت جذوعها. وقد قال المفكر والفيلسوف الفرنسي الكسيس دو توكفيل في كتابه "الديمقراطية في اميركا" أنه "حين يتراجع صوت المحامي، يعلو صوت الاستبداد "، وذلك حين تحدث عن الديمقراطية والعدالة، وضرورة وجود محامين مستقلين لضمان توازن القوى وحماية المجتمع من التعسف القانوني. ولعلّ هذا القول يصلح شعارًا غير معلن لما ينتظره المحامون والمجتمع من هذا المنصب الذي أثبت عبر عقود أنّه أكبر من السياسة وأصغر من الوطن إذا سقطت هيبته.

عرفت نقابة المحامين في بيروت نقباء تركوا إرثًا حاضرًا في الذاكرة المهنية، وقد برهنوا أنّ موقع النقيب ليس مجرد منصب إداري بل رأس حربة للمهنة. ومن المهم التنويه هنا أنّ انتخاب مجلس نقابة المحامين لا يعني مجرد اختيار أعضاء، بل غالبًا ما يحدّد ضمنيًا من سيكون النقيب المقبل، لأن التفاهمات والتحالفات داخل اللوائح تُحسم قبل يوم الاقتراع، فتصبح الانتخابات بمثابة اختيار مسبق للقيادة العليا للنقابة.

وفي هذا السياق، شهد تاريخ النقابة مواقف نقباء بارزين، منهم من وقف ضدّ وزير حاول التدخل في القضاء، فقال عبارته الشهيرة: "نحن حماة الحقّ لا شهود زور على انكساره". ونقيب آخر رفض في التسعينيات الإذعان لقرار استدعاء محامٍ بغير وجه حق، فجمع مجلس النقابة وأصدر موقفًا أنقذ هيبة المهنة. هذه المواقف تؤكد أنّ النقيب هو صوت النقابة وضميرها، والرئيس الرمزي للسلطة المهنية داخلها، وليس مجرد عضو في مجلس يُدار باللوائح والتحالفات.

وقد لخّص الفيلسوف الإنكليزي إدموند بورك جوهر المسألة حين قال:" لكي ينتصر الشرّ، يكفي أن يصمت أصحاب الضمير". والمحامي، بصفته صاحب ضمير، يستوي مع هذا القول أكثر من أي مهنة أخرى. فكيف إذا كان النقيب هو ضمير الضمير، ووجه النقابة إلى الدولة والقضاء والرأي العام؟

لكن الطريق إلى الانتخابات لا يخلو من العلل. فالنقابة، وهي مرآة المجتمع، تعكس كل تناقضاته: صراع داخل الطائفة الواحدة، احتدام حزبي لا يليق بموقع رسالي، اصطفافات تعلو على المعايير المهنية، وتنافس يحوّل الاستحقاق من اختيار للنقيب المناسب إلى استعراض قوى يعيد إنتاج أمراض البلاد نفسها. أما المشكلة الأعمق فتتعلق بالبنية المهنية: فالجامعات تخرّج سنويًا أعدادًا هائلة من الحقوقيين، يدخلون السوق بلا معيار واضح للتدرّج المهني. هذا التضخم غير المنظم لا يصنع محامين ضعفاء فحسب، بل يقوّض قدرة النقابة على ضبط المهنة وحماية استقلالها.

وهنا يطرح سؤال جوهري: ماذا بقي من برامج النقباء السابقين؟

كم من الالتزامات لم يُنفّذ؟ وهل بقيت معظم الوعود مجرد شعارات حول التأمين الصحي، تنظيم العلاقة مع القضاء، وتحديث البنية الإدارية؟ العبرة ليست في الشعار؛ العبرة في القدرة على تحويل الوعد إلى ممارسة. وكما قال الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتي: "الفعل وحده يعطي الحقيقة معنى".

ولا يمكن تجاهل النقطة الأكثر حساسية: إعلان بعض البرامج الانتخابية دعمًا سياسيًا واضحًا، ما يثير التساؤل حول قدرة النقيب المستقبلي على الحفاظ على استقلالية النقابة. فالنقابة، عبر تاريخها، لم تكن منصة نفوذ بل حصنًا للعدالة، وكلما اختلطت السياسة بالمهنة، تهدّد استقلالية القرار.

إنّ انتخابات مجلس نقابة المحامين ليست شأنًا نقابيًا داخليًا؛ إنّها حدث ينتظره البلد كله، لأن النقيب الذي سيُنتخب سيكون شريكًا حتميًا في إعادة ترميم ما تبقّى من دولة القانون. والمحامي، كما قال غاندي، "هو ضمير المجتمع حيًّا أو ميتًا."

العدل أساس الملك،

والمحاماة أساس العدل،

ونقيب المحامين… إن وُضع في مكانه الصحيح، أساس استقامة كل ذلك.

وإن أخطأ المحامون الاختيار، فلن تقوم للمهنة قائمة مهما عظمت الخطابات.


أستاذة جامعية