بقدوم سفير الولايات المتحدة الجديد ميشال عيسى إلى لبنان يوم الجمعة في 14-11-2025، وبمواعيده مع الرسميين اللبنانيين التي أُخِذَت ليوم الاثنين التالي والمتضمّنة تقديمه لأوراق اعتماده لرئيس الجمهورية، تكون الرسالة الى من يهمّهم الأمر قد حَمَلَت أن سعادة السفير لا وقت لديه لإضاعة الوقت!
القصد من تكرار كلمة "الوقت" هو للدلالة على ما كنّا قد أسهبنا في تفسيره في مقالات سابقة، ونعود هنا لنضيئ عليه ولو بايجاز، علّ من لم يعِ بعد الأهمية القصوى لعامل الوقت لدى الإدارة الأمريكية الحالية قد يستوعبها أخيراً ويتكيّف مع الإيقاع المتسارع الذي تريد به تنفيذ استراتيجيتها في منطقتنا من العالم.
أبرَزَ بيان السفارة الذي أنبَأَنا بوصول سعادة السفير إلى بيروت مؤهّلاته العالية وانجازاته الكبرى في مجال المال والأعمال، وهو ما يشي بأن السفير عيسى لن يكون بعيداً عن الاهتمام بالمسار المالي والاقتصادي للبنان الغد، بالاضافة طبعاً إلى دوره الرئيس في إدارة السياسة الأمريكية الخاصة ببلدنا والعمل على تحقيق مصالحها فيه، ومصالحها الإقليمية وما بعد الإقليمية عبره.
هناك دينامية قوية تتجَمَّع لتخلق قوة دفع سريعة (الوقت، الوقت!) وكفيلة بإخراج البلد من الجمود الذي ابتُلِي به بفعل التردّد بالمُضي بقوة الدفع الأولى التي كانت قد تولّدت بانتخاب رئيس الجمهورية وتأليف الحكومة، وبالقرارات السيادية الجريئة التي اتخّذها مجلس الوزراء حتى شهر آب الماضي.
نقول "حتى شهر آب" لأن تعبير "رَحَّبَ" الذي طَلَعَ علينا به في شهر أيلول بالنسبة لخطّة الجيش لم يكن موفَّقاً، لا بل أتى مائعاً إلى حد الخيبة، و مدعاةً للسخرية والتهكّم.
في المُحَصّلة، هناك وفدٌ أمريكي مالي قد زارنا حديثاً وهزَّ الوضع الرقابي المتراخي، وهناك سفيرٌ جديد قد حَضَر والجميع يعلم أنه مُكلّف بمهمّة عالية الشأن من رئيس بلاده مباشرةً، وأوّل مخرجاتها إعادة وضع الأمور في لبنان على سكّة التنفيذ حسب المواقيت المرسومة من قِبَل إدارته الأم. كما يتزامن مع ذلك قدوم وفد مالي -اقتصادي سعودي رفيع إلى لبنان يُتًوخّى فيه الإسهام في تنوير من يهمّه الأمر إلى الفوائد الجمّة التي يستطيع البلد أن يجنيها في حال انتظام التزامه بعامل الوقت الذي لن يحتمل أي تمديد أو تسامح اضافيين.
إن الوقت هو لإدراك حتمية التعامل مع الوقائع والمستجدّات في المنطقة بمنطق المسؤولية التي تنبثق من التحلّي بالواقعية البرغماتية والتعلّم من الدروس السابقة، لا سيّما التجارب الفاشلة والمدمِّرة.
لدينا شعبٌ تزداد فجوة وجوده تحت خط الفقر عمقاً، وجيل طموح من الشباب ينؤ تحت وطأة انحدار جودة التعليم وانعدام فرص العمل، كما أنه تنتظرنا عملية اعمار ضخمة للحجر والبشر والمؤسسات، وللدولة ككُل.
لذا صار وقت الجَد للتخلّي عن الأوهام وقرارات "تدوير الزوايا" التي هي مضيعة للوقت، وذلك للتركيز دون أي تأخير على ما هو كفيل بانقاذ الوطن والنهوض به نحو المستقبل الأفضل الذي ينشُدُهُ جميع الشركاء فيه، حتى الذين تمنعهم ظروفهم من المناداة بذلك جهارةً، وهم كُثُر.
صاحب رأي سيادي مستقل