باريس
أعادت زيارة آن-كلير لوجندر إلى بيروت الأسبوع الماضي تسليط الضوء على حقيقة قد لا تفرح باريس كثيرًا: دور فرنسا في لبنان لم يعد محوريًا كما كان، بل بات دور قوةٍ متوسطة تحاول إثبات وجودها في ساحة دبلوماسية مكتظة بلاعبين أكثر اندفاعة يمتلكون قدرات مالية أو عسكرية أو نفوذ سياسي أكثر تأثيرًا على مكونات المجتمع اللبناني. ففي ظل حضور أميركي وازن ورافعات مالية خليجية ضخمة وضغط عسكري اسرائيلي متعاظم، تبدو فرنسا «فاعلة»، لكنها تفتقر إلى النفوذ الكافي الذي يسمح لها بفرض إيقاع أو تغيير معادلة.
رصيد تاريخي و أمكانات متراجعة
لدى فرنسا رصيد تاريخي وثقافي كبير في لبنان، جعل نفوذها لعقود أمرًا طبيعيًا. غير أنّ هذا الرصيد لم يعد كافيًا في ظلّ التغييرات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة منذ مطلع القرن وصولًا إلى عملية طوفان الأقصى وما أفرزته من معطيات تسعى أطراف عدة إلى استثمارها في إعادة تقاسم النفوذ في شرق أوسط جديد تعمل قوى عدة على أن يرى النور قريبًا.
فلبنان سنة 2025 تحكمه موازين قوى إقليمية لا هوادة فيها ولا مكان بينها للضعفاء أو لأصحاب القوة المتوسطة: توتر دائم على الحدود الجنوبية، دور أميركي مركزي، واستثمارات خليجية متزايدة تحدد إيقاع الاقتصاد والسياسة.
في هذا السياق، لا تزال باريس «حاضرة»، لكنها تفتقر إلى وسائل الضغط أو الحوافز المالية التي تمكّنها من التأثير الفعلي.
واشنطن الممر الاجباري
جعلت أحداث الجنوب الأخيرة الأمور أكثر وضوحًا: التفاهمات الأمنية ومسارات التهدئة تمرّ أولاً عبر واشنطن
الجيش الإسرائيلي، الإدارة الأميركية، والوسطاء اللبنانيون المتصلون بالولايات المتحدة يشكلون خط التفاوض الأساسي.
أما فرنسا، فتبدو كأنها تتحرّك على المسار الموازي: تدعو إلى وقف إطلاق النار، تقترح آليات مراقبة، تدعم اليونيفيل، تفتح قنوات حوار ولكن من دون قدرة حقيقية على تعديل سلوك إسرائيل أو التأثير في قرارات طحزب الله".
على مستوى الدعم الاقتصادي، لا تمتلك فرنسا القدرات اللازمة التي تؤهلها لتكون في موقع المنافس لقوى إقليمية لديها مصادر لا تنضب وتتصدر الدول الخليجية لائحة هذه الدول وهي لم تتوانَ في الماضي عن ضخ امكانات اقتصادية ومالية ضخمة في السوق اللبناني وهي مستعدة للقيام بالشيء نفسه عندما تتوافر الظروف وتكتمل الشروط على غرار ما يحصل في سوريا في الوقت الراهن.
فالسعودية وقطر والكويت قادرة على تنفيذ مشاريع تمويل و استثمارات ومساعدات وتقديم خبرات بشرية فور تنفيذ لبنان الحد الأدنى من المطلوب في تأمين الاستقرار الأمني وبسط سيادة الدولة وإنجاز الإصلاحات، وملامح ما قد يكون عليه حضور هذه الدول مستقبلًا بدأت تتبلور من خلال التحرك السعودي الراهن والآتي ومن خلال مؤتمر "بيروت واحد".
أما باريس، فتعِد بالكثير على صعيد الدعم المعنوي وتنظيم مؤتمرات الدعم ولكنها لا تستطيع إلا تقديم الحدّ الأدنى نظرًا لأوضاعها الاقتصادية والمالية المعروفة حاليًا، وغالبًا ما تربط مساعداتها بإصلاحات لم يتحقق منها شيء، وإذا كان قادة الجيش اللبناني يقدّرون الدعم التقني الفرنسي، فإنهم يطالبون ببرنامج تسليح شامل وبعتاد حديث وبإمكانات مالية وهنا تأتي دول الخليج والولايات المتحدة في الصدارة.
للوجود الفرنسي قيمة خاصة
على الرغم من هذا التراجع النسبي، يتمتع الدور الفرنسي في لبنان بميزة لا ينافسه عليها أحد وتعرف بالقبول المتبادل.
فرنسا هي الطرف الدولي الوحيد تقريبًا الذي يستطيع الاجتماع مع مختلف القوى اللبنانية، من رئاسة الجمهورية والجيش إلى القوى السياسية المتخاصمة، من دون أن يُنظر إليها كطرف منحاز.
كما أن حضورها في اليونيفيل، ودعمها الدائم للمدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية والطبية، يمنحها حضورًا نخبويًا وشعبويًا لا يتوافر لغيرها، وبخلاف القوى الكبرى التي تركز على الأمن أو التمويل فقط، تستثمر باريس في نسيج المجتمع اللبناني نفسه: تعليم، صحة، تراث، لغة، قضاء، وحوكمة.
هذه المجالات الهادئة والضرورية هي التي تسمح لفرنسا بالاحتفاظ بموطئ قدم ثابت مهما تعقدت الظروف، وتمنحها قدرة دائمة على لعب دور الوسيط عندما تنغلق أبواب السياسة وهذا هو مفهوم زيارة آن كلير لوجاندر.