محمد بن سلمان في البيت الأبيض غدًا… نحو شراكة دفاعية ونووية جديدة

5 دقائق للقراءة المصدر: رويترز
من الأرشيف

يزور وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان غدًا الثلثاء البيت الأبيض لعقد مباحثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تهدف إلى تعزيز الشراكة الممتدة منذ عقود بين واشنطن والرياض في مجالي النفط والأمن، وتوسيعها لتشمل ملفات التجارة والتكنولوجيا، وربما أيضًا التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية.

وتُعدّ هذه الزيارة الأولى لوليّ العهد إلى الولايات المتحدة منذ مقتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول عام 2018، وهي الحادثة التي أثارت في حينه موجة استنكار دولية واسعة، وخلصت الاستخبارات الأميركية إلى أنّ الأمير محمد بن سلمان وافق على عملية القبض على خاشقجي أو قتله. وقد نفى وليّ العهد إصدار أمر مباشر بتنفيذ العملية، لكنه أقرّ بمسؤوليته السياسية بحكم موقعه كحاكم فعلي للمملكة.

وبعد أكثر من سبع سنوات على الواقعة، يبدو أنّ الطرفين، أي أكبر اقتصاد في العالم وأكبر منتج للنفط عالميًا، يسعيان إلى "طيّ الصفحة" والمضيّ قدمًا في مسار المصالح المشتركة.

يسعى ترامب إلى ترجمة التعهّد السعودي باستثمارات تُقدّر بنحو 600 مليار دولار، والذي أُعلن عنه خلال زيارته للمملكة في أيار الماضي، في مشاريع وعقود ملموسة، علمًا أنّ الرئيس الأميركي تحاشى آنذاك إثارة ملف حقوق الإنسان، ومن المتوقّع أن يعتمد النهج نفسه في لقاء الغد.

في المقابل، يطمح الأمير محمد بن سلمان إلى الحصول على ضمانات أمنية أوضح في ظلّ التوترات الإقليمية، إضافة إلى فتح آفاق أوسع أمام بلاده في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، ولا سيّما الذكاء الاصطناعي، والتقدّم نحو تفاهم مع واشنطن حول برنامج نووي مدني سعودي.

ونقل أستاذ العلاقات الدولية في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية في السعودية عزيز الغشيان أنّ ملف خاشقجي بات في نظر العواصم المعنية بمثابة "صفحة طُويت"، فيما بات التركيز منصبًّا على إعادة صياغة الشراكة الاستراتيجية وفق معادلات جديدة.

تقليديًا، قام جزء أساسي من العلاقة بين واشنطن والرياض على معادلة غير مكتوبة: النفط في مقابل الأمن. غير أنّ هذه المعادلة اهتزّت بعد امتناع الولايات المتحدة عن الردّ المباشر عندما استهدفت إيران منشآت نفطية سعودية عام 2019، ثم عادت هواجس الرياض لتتعزّز مع التطورات الأخيرة في المنطقة.

ففي أعقاب الهجوم الذي نفّذته إسرائيل على الدوحة في أيلول الماضي، وقالت إنّه استهدف قيادات في حركة "حماس"، وقّع ترامب اتفاقًا دفاعيًا مع قطر بموجب أمر تنفيذي. ويرجّح عدد من المحللين والدبلوماسيين والمسؤولين الإقليميين أن تسعى السعودية للحصول على صيغة مشابهة.

وكانت المملكة تطمح في جولات التفاوض الأخيرة إلى اتفاقية دفاعية كاملة تُقرّ في الكونغرس، إلا أنّ واشنطن ربطت ذلك بتطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب، فيما اشترطت السعودية بالمقابل التزامًا إسرائيليًا واضحًا تجاه إقامة دولة فلسطينية. وقد جدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمس معارضته الشديدة لأيّ استقلال فلسطيني كامل.

ويُرجَّح، وفق هذه المعطيات، أن يلجأ ترامب إلى إصدار أمر تنفيذي دفاعي خاص بالسعودية، على غرار الاتفاق الموقّع مع قطر، وهو ما يراه الغشيان "خطوة على الطريق وجزءًا من العملية وليس نهايتها".

ولخّص دبلوماسي غربي مقيم في الخليج المشهد بالقول: "ترامب يريد التطبيع، والسعودية تريد اتفاقية دفاعية كاملة، لكن الظروف لا تسمح بذلك حاليًا. في النهاية سيحصل الطرفان على أقل مما يريدان… وهذه هي الدبلوماسية".

بدوره، توقّع المفاوض الأميركي السابق في شؤون الشرق الأوسط دينيس روس، والباحث حاليًا في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، صدور أمر تنفيذي ينصّ على "تشاور فوري" بين الولايات المتحدة والسعودية في حال أي تهديد، من دون أن يفرض التزامًا تلقائيًا بالدفاع العسكري المباشر عن المملكة، مع إمكان أن يشمل ذلك طيفًا واسعًا من الإجراءات: من المساعدة العسكرية وتعويض الأسلحة، إلى نشر بطاريات دفاع جوي من نوع "ثاد" أو "باتريوت"، وتعزيز الوجود البحري، وصولًا إلى مشاركة هجومية عند الضرورة.

إلى جانب البعد الدفاعي، تدفع الرياض بقوة في اتجاه صفقات متقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية ضمن إطار "رؤية 2030" الهادفة إلى تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط وتعزيز موقع المملكة التنافسي في مواجهة القوى الإقليمية الأخرى.

ويُعتبر الحصول على موافقة أميركية في ما يخصّ الرقائق الحاسوبية المتطورة (الشرائح) عنصرًا حاسمًا في خطط السعودية لبناء بنية تحتية متقدّمة للذكاء الاصطناعي، في وقت سبق أن وقّعت الإمارات صفقة بمليارات الدولارات مع واشنطن للحصول على شرائح متطورة.

كما يتطلع وليّ العهد إلى اتفاق مع الولايات المتحدة حول تطوير برنامج نووي مدني سعودي، يتيح للمملكة الوصول إلى التكنولوجيا النووية الأميركية، ويوفّر لها في الوقت نفسه مظلّة إضافية من الضمانات الأمنية، بما يساعدها على مضاهاة برنامج الإمارات النووي المدني، وموازنة نفوذ خصمها التقليدي إيران.

غير أنّ التقدّم في هذا المسار دونه عقبات، إذ ترفض الرياض حتى الآن القبول بشرط أميركي أساسي يقضي بالتخلّي عن تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي المستنفد، وهما مساران يمكن في حال إساءة استخدامهما أن يفتحا الباب نظريًا أمام تطوير قدرات عسكرية نووية.

وفي هذا السياق، رأى دينيس روس أنّه من المرجّح الإعلان عن تفاهم أولي أو بيان مشترك حول "التقدّم المحرز" على طريق اتفاق نووي مدني، حتى لو لم تُحسم جميع التفاصيل التقنية والسياسية بعد، على أن تتواصل المفاوضات خلال الأشهر المقبلة.