يحتلّ الشاعر موسى زغيب مكانة فريدة في الذاكرة الشعرية اللبنانية، إذ يُعدّ واحدًا من أبرز أعلام الزجل في لبنان والعالم العربي، ورمزًا من رموز التراث الشفهي الذي شكّل جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية الوطنية. فعلى مدى أكثر من سبعة عقود من العطاء، رسّخ زغيب اسمه شاعرًا مجدِّدًا ومجتهدًا، حمل الزجل من القرى والبلدات إلى خشبات المسارح والمنابر الكبرى، وجال به بين أبناء الوطن والانتشار، ناقلًا إليهم روح لبنان.
زغيب، الذي لُقّب بـ "ملك الزجل اللبناني"، لم يكن مجرّد شاعر يقول القصيدة، بل تحوّل مدرسة قائمة بذاتها، يصوغ الكلمة بإتقان وينحَت المعنى بحِسّ لغوي وفلسفي عميق، فجعل من الشعر الشعبي اللبناني فنًا راقيًا لامس القلوب وحفظ الذاكرة الجمعية. برز العديد من قصائده التي وضعته في مصاف كبار المبدعين الذين ساهموا في صون التراث اللبناني، إلى جانب أعلام مثل خليل روكز، أسعد السبعلي، شحرور الوادي، ميشال طراد، طليع حمدان، وصولًا إلى الرحابنة وفيروز.
من هنا كانت أهمية تكريمه بـ "وسام الاستحقاق اللبناني الفضي ذي السعف"، في احتفال حاشد أقيم في "جامعة الروح القدس - الكسليك"، برعاية رئاسيّة، وبحضور رسميّ وثقافيّ وروحيّ رفيع المستوى. تكريم لم يكن حدثًا تكميليًا أو بروتوكوليًا، بل شكّل اعترافًا وطنيًّا راسخًا بقيمة موسى زغيب وبالدَّور المحوريّ الذي أدّاه في رفع شأن الزجل اللبناني وإيصاله إلى العالمية. كما أنه تتويج لمسيرة طويلة أغنت المكتبة اللبنانية، وفتحت الطريق أمام إدراج الزجل اللبناني على "قائمة اليونسكو للتراث غير المادي"، وهو إنجاز ما كان ليتحقق لولا وجود شخصية شعرية استثنائية استطاعت أن تمثل هذا الفن بأرفع صورة.
برنامج احتفال تكريم الشاعر موسى زغيب في الكسليك الذي قدّمته الإعلاميّة جويس عقيقي، كان حافلًا بالمحطات المعبّرة التي عكست قيمة المناسبة. حيث حضر وزير الثقافة غسان سلامة، ممثلًا كلًّا من رئيس الجمهورية جوزاف عون، رئيس مجلس النواب نبيه برّي، ورئيس الحكومة نواف سلام.
افتُتح الحفل بالنشيد الوطني، تلاه عرض فيلم وثائقي تناول مسيرة زغيب، ثم ألقى ممثل رئيس "جامعة الروح القدس – الكسليك"، كلمة أكد فيها دَور الجامعة في احتضان المبدعين وصون الهوية اللبنانية.
وتوالت الكلمات والقصائد التي ألقاها كل من الأساتذة سهيل مطر، مازن غنّام، إبراهيم شحرور، جريس البستاني، أنطون زغيب، والإعلامي وليد عبود، حيث أجمعوا على مكانة موسى زغيب كقامة زجلية راسخة، كما ألقى نقيب شعراء الزجل في لبنان بسّام حرب قصيدة مؤثرة استعاد فيها ذكريات والده الشاعر إدوار حرب مع المكرَّم.
أما كلمة العائلة، فألقاها الدكتور ربيع زغيب، نجل المكرّم، شاكرًا رئيس الجمهورية والحضور، ومؤكدًا أن تكريم موسى زغيب هو تكريم للزجل اللبناني بأكمله. واختُتم الاحتفال بكلمة رئيس الجمهورية اللبنانية التي ألقاها الوزير غسان سلامة.
وبذلك يكون تكريم الشاعر موسى زغيب تكريم للبنان نفسه، بلغته وهويته وثقافته الشعبية. فزغيب شاعر جمع حوله مختلف الأطياف لاختبار معنى الشعر الحيّ، والاحتفال بالصوت اللبناني الأصيل الذي لا يزال يجسّد ذاكرة وطن ونبض شعب. والاحتفاء به كان احتفاء بقيمة الإبداع، وبمسار طويل من العمل والأصالة والالتزام، وبفنان حمل كلمته كرسالة ووطن.