جويل غسطين

"شربل" ريمون جبارة برؤية معاصرة

5 دقائق للقراءة

في مرحلة كان المسرح خلالها مساحة للتمرّد على السائد ومنبرًا لطرح الأسئلة الكبرى بلا خوف، لمع اسم ريمون جبارة (1935 - 2015) كواحد من أبرز روّاد المسرح اللبنانيّ الحديث، حاملا إلى الخشبة قلق الإنسان وأسئلته الوجودية العميقة. لم يكن جبارة مجرّد كاتب أو مخرج، بل مسرحيًّا ذا رؤية متكاملة سعت إلى كسر القوالب التقليدية وإعادة تعريف العلاقة بين المسرح والإنسان، بحيث تصبح الخشبة ساحة تفكير حيّة لا مكانًا لتقديم عرض فنيّ فحسب. في نصوص جبارة أسئلة تتجاوز الشكل إلى الجوهر حيث يمتزج الفلسفي بالإنساني والرمزي بالواقعي، في محاولة لفهم الإنسان في قلقه اليوميّ وعلاقته بالزمن والمجتمع والإيمان.

ومن بين أعمال جبارة تبرز مسرحية "شربل" كعمل استثنائيّ أعاد فيه المسرحيّ الراحل قراءة روحانيّة "قديس لبنان" من منظور إنسانيّ عميق، بعيدًا من التناول التقليديّ للشخصيات الدينية. في هذا العمل، يتحوّل القديس شربل إلى مساحة تأمُّل مفتوحة، يُطرح من خلالها سؤال الإيمان بمعناه الوجودي، لا الديني فقط، ليتحوّل رمزًا يعكس هشاشة الإنسان وتوقه الدائم إلى السلام الداخلي.


حلّة جديدة

لليلتَين (7 و 8 أيار الجاري)، تعود مسرحية "شربل" إلى "مسرح كازينو لبنان"، تكريمًا للراحل ريمون جبارة في رؤية إخراجية معاصرة يقودها المخرج والممثل كريم شبلي، الذي أعاد قراءة النصّ من منظور حديث، محافظًا على بُنيته الأصليّة فاتحًا في الوقت نفسه أفقًا بصريًّا وفكريًّا جديدًا يتناسب مع تحوّلات الزمن والجمهور المعاصر.

يشير شبلي لـ "نداء الوطن" إلى أن هذا العمل لا يُقدَّم بوصفه إعادة إنتاج تقليدية، بل كمقاربة جديدة لِنصّ كلاسيكيّ لبناني تسمح بإعادة اكتشاف طبقاته وإبراز أبعاده التي قد تكون خفيّة أو غير مكتشفة في القراءات السابقة. يشارك في هذا المشروع طلّاب المسرح في "جامعة الروح القدس" – الكسليك، إلى جانب عدد من الخرّيجين والأساتذة، في تجربة تجمع بين التكوين الأكاديمي والممارسة المسرحيّة الفعلية، ضمن إطار تكريميّ يهدف إلى إعادة إحياء الإرث المسرحيّ للكاتب والمخرج اللبناني الراحل، وإبراز مكانته في الذاكرة الثقافية اللبنانية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن "شربل" قُدّمت للمرة الأولى في الفاتيكان خلال سبعينات القرن الماضي، أما العرضان الحاليان فريعهما مخصّصان لدعم طلاب الجامعة، في خطوة تجمع بين الفن والدَّور الاجتماعي للمؤسسات الأكاديمية.


إحياء الإرث المسرحي

وتوضح مديرة "قسم الفنون" في "جامعة الروح القدس" لينا جبران لـ "نداء الوطن"، أن اختيار مسرحيّة "شربل" لم يكن صدفة، بل جاء ضمن مشروع سنويّ يعتمد إنتاج عمل مسرحي كلّ عام، إلا أن هذا العام حمل طابعًا استثنائيًّا إذ خُصّص بالكامل لتكريم الراحل ريمون جبارة في الذكرى السنوية العاشرة لرحيله. وترى جبران أن هذا الاختيار يعكس رغبة حقيقية في إعادة فتح أرشيف مسرحيّ غنيّ أمام الطلاب والجمهور، والتعريف بجزء أساسي من تاريخ المسرح اللبناني الذي لا يزال حاضرًا رغم تغيّر الأزمنة.

لكن الهدف الأساسي من إعادة تقديم نص "شربل" لا يقتصر على الحفاظ عليه، بحسب جبران، بل يتعداه إلى دراسته بعمق وإعادة قراءته ضمن سياق معاصر، يأخذ بالاعتبار تطوّر أدوات الإخراج والتقنيات الحديثة في المسرح. فأعمال ريمون جبارة ما زالت تحمل قدرة لافتة على التفاعل مع الحاضر، رغم أنها كُتبت في سياقات زمنية مختلفة، وهو ما يجعلها قابلة لإعادة الاكتشاف من أجيال جديدة من الطلاب والمخرجين، تقول جبران.

في هذا السياق، واجه الطلاب تحدِّيًا أساسيًا تمثل في التعامل مع نصوص لم يكونوا على دراية معمّقة بها رغم معرفتهم باسم جبارة ضمن الإطار الأكاديميّ، وقد تطلّب ذلك جهدًا إضافيًا لِفهم البُعد التاريخيّ والاجتماعي للنص وربطِه بالسياقات التي كُتب فيها، بما يساعد على تحويله من مادة نظرية إلى تجربة مسرحية حيّة قابلة للتجسيد.

في مجال آخر تكشف جبران أن "جامعة الكسليك" تحتضن أحد أكبر الأرشيفات المسرحية في المنطقة، ويضمّ أعمالا ووثائق لعدد كبير من المسرحيّين اللبنانيين، من بينهم ريمون جبارة. ويشمل هذا الأرشيف مخطوطات، وصورًا، ودراسات، ووثائق تاريخية تؤرّخ مراحل مختلفة من تطوّر المسرح في لبنان، ما يجعله مرجعًا أساسيًا للباحثين والطلاب. وتؤكد في هذا الإطار أن هذا الأرشيف لا يُعامل كمجرّد مخزن للمواد، بل كذاكرة حيّة تُستخدم في التعليم والبحث وإعادة إنتاج المعرفة المسرحية.

إذًا إعادة عرض "شربل" هي تسليط للضوء على إرث ريمون جبارة لجيل جديد لم يعاصره. فمِن "شربل" إلى "زرادشت صار كلبًا"، مرورًا بـ "دكر النحل" و "محاكمة يسوع"، و "صانع الأحلام" وسواها، قدّم جبارة مسرحًا يقوم على السؤال لا الإجابة، وعلى القلق لا اليقين. مسرحه لا يُقرأ كحكايات منفصلة، بل كمسار فكريّ واحد يحاول تفكيك علاقة الإنسان بذاته والعالم. لذا، يبقى حضوره حيًّا لا كاسم في الذاكرة المسرحية فقط، بل كأثر مستمر يرافق الخشبة اللبنانية، ويؤكد أن المسرح الحقيقيّ لا ينتهي بل يعيد إنتاج نفسه مع كل جيل جديد.


ملصق المسرحية