منذ أن ظهرت "متلازمة هافانا" على السطح عام 2016، بوصفها مجموعة من الأعراض الغامضة التي أصابت دبلوماسيين أميركيين في كوبا، تحوّل المصطلح مع الوقت إلى إستعارة عن الخوف الجماعي والشلل أمام تهديد غير مرئي. في لبنان، يبدو أن هذه "المتلازمة" وجدت بيئة خصبة، لكن ليس على الصعيد الصحي، بل السياسي، حيث تعيش الحكومة والسلطة منذ تشكيلهما في 2025 تحت وطأة خوف دائم: من 6 شباط، من 7 أيار، من حرب أهلية، من العقوبات الدولية، من الشارع، من إجتياح اسرائيلي والأهم من ملف سلاح "حزب الله" الذي يُعد العقدة المركزية في كل خلاف داخلي أو ضغط خارجي.
يتوزع هذا الخوف على مستويات عدّة، أبرزها:
- الخوف من المحاسبة: تعطيل التحقيقات في الفساد والانهيار المالي، وتهريب الدواء وتجميد ملف انفجار مرفأ بيروت وإطلاق سراح رياض سلامة ورولان خوري والضابط محمد خليل خير دليل على ذلك.
- الخوف من الخارج: ضغط المجتمع الدولي وخاصة الأميركي حاضر دائماً، سواء عبر التلويح بالعقوبات أو ربط المساعدات بالإصلاحات.
- الخوف من الشارع: منذ انتفاضة تشرين 2019، أصبحت أي حركة احتجاجية هاجساً دائماً، خصوصاً مع تحركات العسكريين المتقاعدين التي تهدد بالتحول إلى كرة ثلج.
- الخوف من مواجهة "حزب الله": وهو الأكثر تعقيداً، لأنه يجمع بين البُعد الأمني، السياسي الطائفي، والإقليمي المرتبط بإيران.
بالنسبة للسلطة اللبنانية، سلاح "حزب الله" هو في آنٍ واحد ضمانة لفريق سياسي- مذهبي، مصدر شلل وخوف لبقية القوى، وذريعة جاهزة لأي عدوان إسرائيلي في ظل نظرة المجتمع الدولي إلى لبنان كـ دولة "رهينة" بيد ميليشيا مسلّحة.
هذا التناقض جعل الدولة عالقة في مأزق يشبه تماماً "متلازمة هافانا": تعرف بوجود الخطر لكنها عاجزة عن مواجهته، فتستمر في حالة شلل دائم.
تتكرر مظاهر هذه المتلازمة السياسية عبر التلويح بالفوضى وإحراق البلد لإبقاء الوضع على ما هو عليه وتعليق أي قرار وطني بذريعة "الحفاظ على السلم الأهلي"، بالإضافة إلى وضع البلد بين السدان الإيراني ومطرقة التهديدات الأميركية والإسرائيلية.
هذا التردد السلطوي يفتح الباب أمام نتائج كارثية نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، شللاً مؤسساتياً مزمناً يجمّد أي إصلاح حقيقي، وتآكلاً للسيادة مع استمرار وجود سلاح خارج الدولة، وإطالة عمر الأزمة الاقتصادية بفعل ربط المساعدات بالاستقرار السياسي المفقود.
الخروج من هذه الدوامة يتطلّب تغييراً جذرياً في الذهنية: دولة تؤدي دورها الطبيعي في حماية الوطن، لا مجرّد إدارة توازنات حزبية طائفية تحت شعار "الحفاظ على السلم الأهلي". كما يستوجب توقّف القوى الداخلية، وفي مقدّمها "حزب الله"، عن توريط البلد في حروب مدمّرة خدمةً لأجندات خارجية، والاقتناع بأن الهوية اللبنانية تعلو فوق كل انتماء. عندها وحدها، عقد اجتماعي جديد، يقوم على سيادة الدولة واحتكارها الشرعي للسلاح والإيمان بنهائية الكيان، قادر على كسر حلقة "متلازمة الخوف" التي تُكبّل لبنان.