في خضمّ حربه مع معاوية، ولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مالك بن الحارث النخعي المكنى بمالك الأشتر، ومنحه كتابًا تضمن مفاهيم إدارة الدولة وتنظميها وفق رؤية الامام، عرف هذا الكتاب اسم "عهد الأشتر".
يتوقع قارئ وثيقة تاريخية عن تلك الحقبة التي شهدت صراعًا وجوديًا بين مشروعين، أن يذخر عهد الأشتر بخطط عسكرية، وأوامر جمع الخراج وتمويل الجند والتجنيد وتدريب العسكر، وتجييش الكشافة في المدينة الرياضية وتحديات شعبوية على صخرة الروشة. غير أن العهد خلا من كل هذا فلا يذكر الجند إلا لمامًا في إطار عام لتنظيم الدولة وتأتي العسكرة في إطار وظيفي لا مركزي بينما تجد التنمية البشرية والعمران والعدالة والمساواة أمام القانون وتنظيم القضاء في وظيفة مركزية تأسيسية تحدد مشروعية الحكم. فالعسكرة ليست هدفًا ولا يوجد في المنهاج العلوي سلاحا مقدسًا ولا تنكيلا بالمخالفين، وليتمعن القارئ في عهد الأشتر ليستطلع الأمر العلوي، ففي الكوفة عاصمة الخلافة العلوية كان معارضو الخليفة يصدحون بمعارضتهم دون قمع، فلم نجد عمارًا ولا صعصعة يحاصران منزل الأشعث بن قيس يحرقونه ولا يعتديان على سيارته، ولم نسمع بميثم ولا قنبر ينظمان جيوشا الكترونية تكيل السباب والشتائم للمغيرة بن شعبة، وعمرو بن حريث ولا خالد بن عرفطة أو سمرة بن جندب، كيف وهو الذي أمرنا بألا نكون سبابين.
في تلك الحقبة وفي المنهجية العلمية عينها، وجد الإمام علي في زياد بن أبيه الأهلية فولاه على "فارس" حيث اتخذ زياد من اصطخر (بعض طهران اليوم) معقلاً، وبقي على ولائه إلى أن استشهد الامام، فنسبه مؤسس الدولة الأموية إلى أبي سفيان وولاه البصرة وبعدها الكوفة، فأسس زياد بن أبي سفيان النظام الأمني في الإسلام وراح يكافح معارضي الحكم.
يطيب لذرية سهل بن حسن الالكترونيين أن يمدحوا الإمام بأن ورد ذكره في تقرير أممي، وأن يصرحوا على صفحاتهم الالكترونية أن الأمم المتحدة أعلنت في العام 2002 عليًا أعدل حاكم عرفته البشرية.
لا يحتاج الإمام اعتراف الأمم المتحدة، ومن يتوسل في الأمم المتحدة حجة ليظهر عظمة الامام، ثبت ضعف يقينه. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP أصدر في العام 2002 تقريره العربي للتنمية البشرية، فوجد في عهد الأشتر منظومة متكاملة للحوكمة والتنمية البشرية والعدالة الاجتماعية استخرج منها نصوصا ليدلل بها على صحة ما يورد من توصيات، فكان التقرير مستنيرا بفكر الامام ولم يكن شهادة إمامنا غني عنها.
إن الحوكمة عبارة مبهمة في معجمنا وتحتاج لشرح طويل لتبين أن حوكمة الدول شرط لازم تلمسه في فرنسا عندما تحاكم مارين لوبين لتوظيف أقربائها وقد تُحرَم من خوض السباق الرئاسي.
يتقاطع العهد مع مبادئ الحوكمة الرشيدة كما وردت في وثائق الأمم المتحدة، خصوصًا فيما يتعلق بالعدالة، الشفافية، المشاركة، والمساءلة. أورد مقارنة بين قواعد الأمم المتحدة لجهة الحوكمة ونص عهد الأشتر ليتبيّن كيف سبق الإمام علي في القرن السابع الميلادي إلى ما تعتبره الأمم المتحدة اليوم معيارًا عالميًا للحكم:


أما مؤشر التنمية البشرية HDI الذي انصب عليه تقرير العام 2002 فهو مرآة دقيقة تعكس حال الإنسان وليس الدولة فقط، هذا المؤشر يجمع بين الصحة والتعليم والدخل، وهو الدليل الأدق على مستقبل الأنظمة السياسية.
ففي سوريا التي تقدم تصنيفها العسكري على تصنيف التنمية البشرية، شهدنا دمار السلاح وانهيار النظام، ففي العام 2010 صُنِّف الجيش العربي السوري 35 عالميا وكانت يومها ذروة تصنيف سوريا في مؤشر الـــHDI: (0.661) واحتلت سوريا المركز الــ117 عالميا، هذا التبيان بين القدرة العسكرية والتنمية البشرية لم يغن نظام البعث من أن يلاقي مصير النظام الأموي. فقد اعتمد الفكر البعثي مبادئ العصبية العربية التي تأسست مع معاوية، وانتهج نهج زياد بن أبيه الامني، وفي النظامين كانت القوة العسكرية فاعلة بينما التنمية البشرية محدودة ورغم القوة العسكرية والعصبية العربية كانت النهايتين في دمشق داخلية دموية.
أما في لبنان وبالرغم من أنه بدأ مسيرته التنموية بعد الحرب الأهلية بزخم نسبي، إلا أن مساره تأثر بالأزمات المتلاحقة. من 0.574 عام 1990 إلى ذروة بلغت 0.770 عام 2015، ثم تراجع إلى 0.729 عام 2024.
هذا التراجع ليس تراجعًا بالمؤشر فحسب، بل تراجعًا في المكانة الدولية، فالجمهورية الثانية لم تستطع استعادة مكانة الجمهورية الأولى، مكانة حلت فيها الامارات العربية المتحدة وجاء ترتيب الامارات الدولي ال 15 لجهة التنمية البشرية بمؤشر 0.940 وتسبق العدو الإسرائيلي الذي احتل المركز 27 بمؤشر 0.919.
لبنان الذي احتل مركزًا مرموقا قبيل اتفاق القاهرة، جرفته العسكرة إلى خندق التدمير الذاتي ولم يستعد سيرته الأولى رغم جهد الرئيس الشهيد رفيق الحريري. فحالة الانفصام والتمزق بين منهاجي هانوي وهونغ كونغ أودى بفرادة الانسان اللبناني الذي أضحى أسير رومنطيقية الصراع.
أجريت دراسة مقارنة لواقع لبنان في خمسينات وستينات القرن الماضي ومن ثم أجريت رسما بيانيا مقارنا نتائج لبنان ومساره بمساره دول المنطقة فكانت النتيجة موجعة.

ففيما كان لبنان يتقدم على الصين ومعظم دول العالم بين العامين 1950 و1970، أضحى بعد اتفاق القاهرة وفي الجمهورية الثانية يحتل المركز 102 بين دول العالم على مؤشر التنمية البشرية، وفيما يلي رسم بياني عن تطور معدل التنمية البشرية في الإقليم.

وطالما أن العسكرة وجهتها العدو الإسرائيلي يمكننا أن نستقرئ الأرقام، حيث انعكس الجمود في أرقام لبنان تدهورًا فعليًا، فقد واصل العدو صعوده بثبات وواصل تحسين مؤشراته، بينما بقي لبنان ثابتًا رقميًا، متراجعًا فعليًا لولا تدخلات المغتربين والمساعدات الدولية.


ففي حين كانت الأرقام غير متباعدة كثيرًا في العام 2006 بين لبنان والعدو، أظهرت المؤشرات في العام 2024 فجوة هائلة انعكست في الجبهة الداخلية، ففيما كانت جبهة العدو الداخلية مدروسة فيها ملاجئ حديثة كانت الجبهة الداخلية في لبنان تبحث عن فرشة ووسادة نتيجة الاحتكار وسوء الاعداد. كانت عزيمة القتال لدى العدو سعيًا لتحقيق المزيد من المكتسبات في مقابل عزيمة صمود في لبنان دفاعا عما تبقى من وجود وكرامة.
مشهد القتال بالخلايا الجذعية، يلزمك التدقيق بتطبيق المكتب السياسي عهد الأشتر: لا خلاف أن المقاومين أدوا دورهم بشجاعة وبسالة منقطعة النظير، لكن كيف تعاطى المولجون بالداخل وتحضير الناشئة لمواجهة تحديات المستقبل؟ هل اهتدى القيمون على الداخل بهدي الإمام؟ كلا، ودليلي على ذلك نهج الكراكيب في الوظائف وفي مشروع القانون، فإذا بهم يولون الوظائف لخاصتهم وأقربائهم، والقانون يمررونه خفية عن أعين الناس دون الحد الأدنى من الشفافية ويحتفلون بانعدام الشفافية والبقاء إلى الأبد، وشعارهم من ينتصر يقرر. وكأن الدم الزاكي الذي سفك في الساحل الشرقي للمتوسط وصراخ الأيتام وعويل الثكالى لم ينبههم. وكأنهم قرؤوا كلمات الامام ليلقوها على مسامع المؤمنين وانتهجوا خلافها. بدأ الامام خطابه للأشتر بـ: "هذا ما أمر به عبد الله عليٌ أميرُ المؤمنينَ ". فهذا أمر وإن نكثتم عنه لزمتكم الحجة.