تشهد البلاد في هذه المرحلة تداخلًا واضحًا بين ثلاثة مسارات متوازية، مختلفة في الشكل لكنها متطابقة في هدفها: الضغط المالي الأميركي على شبكات حزب الله، الضغط الأمني الذي يطال المؤسسة العسكرية عبر بوابة قائد الجيش، والتصعيد الإسرائيلي الذي يعيد إظهار غياب القرار السيادي في الأمن والدفاع. هذه المسارات ليست أحداثًا متناثرة، بل جزءًا من هندسة ضغط دولية–إقليمية تعمل على دفع رئاسة الجمهورية للخروج من الرمادية التي استُهلكت طويلًا.
فالهجوم الذي شنّه حزب الله على حاكم مصرف لبنان لم يكن خلافًا على إدارة نقدية، بل اعتراضًا على المسار الدولي الذي يُضيّق على البنى المالية الموازية للحزب، وفي مقدّمها “القرض الحسن”. التعاون بين مصرف لبنان والجهات الرقابية العالمية لم يعد خيارًا تقنيًا بل شرطًا لعدم عزل الدولة ماليًا، وهذا ما يراه الحزب تهديدًا مباشرًا لـ “اقتصاده الداخلي”. ولذلك، فإنّ سكوت الرئاسة أو تردّدها في هذا الملف يُقرأ كقبول ضمني بهذا المسار، ما جعل الحاكم هدفًا سياسيًا لا إداريًا.
وفي موازاة ذلك، جاء الانزعاج الأميركي من أداء المؤسسة العسكرية ليكشف مستوى أعلى من الضغط. فقد ألغت واشنطن مواعيد قائد الجيش عقب البيان الأخير لقيادة الجيش الذي خلا من أي إشارة لدور حزب الله في التصعيد، لتقول بوضوح إنّها لم تعد تقبل خطابًا عسكريًا يكتفي بتوصيف الوقائع ويتجنّب أصل المشكلة: وجود سلاح غير خاضع للدولة. هذه الرسالة لا تُوجَّه إلى اليرزة فقط، بل إلى رئاسة الجمهورية بوصفها المرجعية السياسية للمؤسسة العسكرية. فالولايات المتحدة تعتبر أنّ الجيش لا يمكن أن يؤدي دوره ما لم يكن خطابه وموقعه السياسيان متطابقين مع مفهوم الدولة الواحدة والسلاح الواحد.
أما التصعيد الإسرائيلي بالأمس على الجنوب ومخيّم عين الحلوة، فقد أعاد إظهار العطب البنيوي في الدولة؛ إذ إنّ أي مواجهة تنفجر خارج قرار المؤسسات الشرعية تصبح مرآة صافية لواقع السلاح الموازي الذي يجرّ لبنان إلى صدامات لا يملك قرارها. التوقيت الميداني وتزامنه مع الضغوط المالية والأمنية يشيران إلى حقيقة واحدة: المجتمع الدولي لم يعد مستعدًا لتغطية نموذج الدولة المنقسمة بين شرعية رسمية وقوى مسلّحة تتحرك بمعزل عنها.
أمام هذه اللوحة، لم يعد متاحًا لرئاسة الجمهورية الاستمرار في سياسة الوقت الضائع أو الاكتفاء بإدارة التوازنات الداخلية. الحزب يعتبر أنّ العهد سمح للضغط المالي بأن يطال مؤسساته، وواشنطن ترى أنّ التردّد السياسي يشلّ قدرة الجيش، والجنوب يقدّم يوميًا دليلًا إضافيًا على خطورة السلاح الموازي. وهكذا يتشكل مسار واحد يتجه نحو إعادة ترتيب ميزان القوى داخل الدولة ودفع الرئيس إلى لحظة حسم لا يمكن تفاديها.
فالاستحقاق اليوم ليس تقنيًا ولا ظرفيًا، بل استحقاق تأسيسي يتعلّق بتحديد الجهة التي تملك القرار في الأمن والمال والحرب. والمطلوب من الرئاسة ليس موقفًا رمزيًا، بل إعلان واضح بأنّ السلاح الشرعي هو سلاح الدولة فقط، وأنّ الجيش هو السلطة الأمنية الوحيدة، وأنّ أي شبكة مالية أو أمنية تعمل خارج الشرعية تُضعف الدولة وتعرّض لبنان لأخطار لا قدرة له على احتوائها.
إنّ الصمت لم يعد حيادًا، والرمادية باتت شكلًا من أشكال الانهيار السياسي. فالمنطقة تغيّرت، وفترة المساومات الطويلة انتهت، وما يُمنح للبنان اليوم ليس وقتًا بل آخر مَخرج قبل العاصفة. وإذا لم تلتقط رئاسة الجمهورية هذه اللحظة بما يلزم من وضوح وحزم، فإنّ البلاد ستدخل مرحلة يصعب بعدها وقف الانهيار أو تجنّب الحرب، وسيسقط التمييز بين الأطراف تحت وطأة الفوضى الشاملة.