الدكتور سايد حرقص

لبنان والصلابة الوطنية: من "لا شيء يمكن أن يؤذيني" إلى "لا شيء يجب أن يكسرنا"

5 دقائق للقراءة

​في عالمٍ يهرب فيه الناس من الألم ويتجنّبون المواجهة، يبرز ديفيد غوغينز كظاهرةٍ إنسانية استثنائية. الرجل الذي خرج من جحيم الفقر والعنف ليصبح رمزًا للصلابة والانضباط الذاتي، كتب في سيرته "لا شيء يمكن أن يؤذيني" فلسفةً كاملة في تحدّي الذات ومواجهة الألم وتحويل الضعف إلى طاقة.

​لكن حين نقرأ غوغينز بعينٍ لبنانية، نكتشف أن ما يقوله لا يبتعد كثيرًا عن حكاية شعبٍ اعتاد الوقوف في وجه المآسي، وصمد أمام الحروب والانهيارات والاجتياحات والخيبات، وبقي واقفًا لأن في داخله روحًا لا تُقهر.

​اللبناني الذي واجه القصف والدمار، وخرج من تحت الركام ليبني بيته مرةً بعد أخرى، ودفن أبناءه ثم نهض ليُكمل، لا تنقصه العزيمة ولا الصبر ولا الطاقة. لقد اجتاز أهوال الحرب، والانهيار المالي، وتفجير المرفأ، وحرب الإسناد الأخيرة، ومرارَة الخسارة اليومية، ومع ذلك بقي حيًّا، منتجًا، ومؤمنًا بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.

​لكن ما ينقص اللبناني اليوم ليس الصلابة الجسدية ولا الصلابة النفسية، بل الصلابة الوطنية: أن يتحوّل صموده من عادةٍ إلى وعي، ومن غريزة بقاءٍ إلى مشروع دولة.

​المشكلة أن كثيرين يحملون الهوية اللبنانية، خصوصًا بعد موجات التجنيس العشوائي، لكن قلّةً فقط يعيشون الانتماء اللبناني الحقيقي.

​فالوطنية ليست ورقة هوية، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، بل خيارٌ أخلاقيّ يوميّ:

​هل أضع مصلحة لبنان فوق كل انتماء آخر؟

​هل أرفض أن أكون تابعًا لأي محور خارجي؟

​هل أرى لبنان أولًا وآخرًا؟

​الجواب على هذه الأسئلة هو ما يميّز اللبناني الحقيقي عن حامل الجنسية الورقية.

​الانتماء الصادق لا يُقاس برفع العلم فقط، بل بحماية معناه: بالدفاع عن مؤسسات الدولة، لا بتدميرها باسم الولاءات والمصالح الأجنبية. فالولاء الأعمى لأي دولة أو محور خارجي، مهما كانت قضيته "مقدّسة" ومحقة، ليس وفاءً بل استسلامٌ طوعيّ للفشل الوطني. فحين يُصبح "الولاء" بابًا لتفكيك الوطن، نفقد المعنى ونُطفئ الحلم.

​​لبنان ليس وليد سايكس–بيكو كما يروّج البعض. لبنان حضارةٌ تمتدّ إلى ستة آلاف سنة، يوم قهر أجدادنا البحر وسخّروا الريح واخترعوا الأبجدية وصاغوا الأساطير، كان الشرق كله مجرد قبائلَ همجية لا تعرف سوى الغزو والقتل. نحن أبناء من علّم العالم القراءة والتجارة والسفر في البحر والمفاوضة، نحن أحفاد طائر الفينيق الذي ينبعث من رماده ولسنا زوائد على خارطةٍ رسمها الانكليزي مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو.

​صحيح أنّ موجات القومية العربية والسورية التي ولّدتها الوصاية الفرنسية زمن تأثر الشرق بموجات النازية والفاشية كانت ابنة عصرها، لكنّها سقطت جميعًا، ومعها سقطت أوهام "الانتماء الواسع" على حساب الوطن الصغير. اليوم، لا خلاص إلا ببناء المواطن اللبناني، الذي يرى في وطنه مرجعًا نهائيًا للهوية.

​في الدول الحديثة كأميركا وكندا وأستراليا، تفرض المواطنة احترام اللغة والتاريخ والولاء للدولة الواحدة، ولا تمنح حق المشاركة السياسية إلا لمن يحمل هوية البلد وجذوره الفكرية.

​أما عندنا، فقد أعلن وزير السياحة اللبناني السابق، أواديس كيدانيان، سنة 2017 في مقابلة تلفزيونية مع الإعلامية منى أبو حمزة أنه يفضل أرمينيا على لبنان. وفي المقابل، أعلن السيد حسن نصرالله في 24 حزيران من العام 2016، "أن أكلنا وشربنا ورواتبنا وسلاحنا كله من الجمهورية الإسلامية في إيران"، فيما أكد اللواء رشيد في 21 أيلول من العام 2021، "أن القائد السابق لفيلق القدس قاسم سليماني كان أبلغ قادة القوات المسلحة الإيرانية قبل اغتياله بـ3 أشهر أنه قام بتنظيم 6 جيوش خارج الأراضي الإيرانية، وذلك بمساعدة الجيش الإيراني والحرس الثوري". وأوضح قائد مقر خاتم الأنبياء أن هذه الجيوش هي "حزب الله" في لبنان، وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي في فلسطين، وقوات أنصار الله (الحوثيون) في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وجيش النظام السوري. وقال اللواء رشيد إن "هذه الجيوش هي القوة الرادعة أمام الاعتداءات على إيران". واليوم، بعد التغييرات السياسية في سوريا، ترتفع الكثير من الأصوات على مواقع التواصل الاجتماعي تجاهر بالانتماء إلى سوريا.

​هذه الفوضى في العقيدة الوطنية لا يمكن أن تستمر: من ينتمي إلى طهران فليعش هناك، ومن يرى نفسه جزءًا من دمشق أو واشنطن أو باريس فليرحل إليها. لبنان بحاجةٍ إلى من يؤمن به فقط. اللبناني الحقيقي هو من يرى في هذا التراب مستقبله ومصيره، لا من يعتبره محطة عابرة في ولاءاته.

​​ومن جهةٍ أخرى، فإن المواطن الذي يجد الأعذار للمسؤول الفاسد أو الفاشل، هو شريكٌ في فساده وفشله. الوطن لا يُبنى بالتبرير، بل بالمحاسبة. حين يتعلّم المواطن مبدأ المساءلة، يتعلّم معنى الحرية، لأن الحرية بلا مسؤولية ليست سوى فوضى مقنّعة.

​من يحب لبنان حقًا، لا يدافع عن الفاسدين، بل يحاسبهم باسم العدالة التي لا تعرف الاصطفاف ولا الطائفة.

​لقد آن الأوان أن يتغلّب العقل على العاطفة في خياراتنا الوطنية. منح الثقة مجددًا لمن خذلنا مرارًا باسم الطائفة أو "المقاومة" أو "الزعامة" ليس شجاعةً ولا وفاءً، بل إنكارٌ للواقع. الانتماء لا يعني الطاعة العمياء، بل الشراكة الواعية في صنع المصير. مستقبل أولادنا أهم من مستقبل زعيمنا، لأن الأوطان لا تُورّث، بل تُبنى بالعقل والضمير.

​لقد أثبت اللبناني أنه لا يُهزم بالحرب ولا بالدمار، لكنه قد يُهزم إن فقد وعيه. الصلابة التي أبقته حيًا رغم الجوع والانهيار، تحتاج اليوم إلى وعيٍ يميّز، وإلى قلبٍ يختار الوطن أولًا.

​من يجعل مصلحة لبنان فوق كل مصلحة، ويجعل من المحاسبة واجبًا لا خيارًا، هو وحده المواطن الذي يستحق أن يحمل هوية هذا البلد العظيم. فالوطن لا يُبنى بالولاء الأعمى، بل بالبصيرة، وبالإصرار على أن يكون لبنان وطنًا... لا ضحيةً دائمة..