أورور كرم

صفعة دبلوماسية سعودية "ثلاثية الأبعاد" لـ "المحور الإيراني"

5 دقائق للقراءة
تمسّك بن سلمان بموقفه المدافع عن حقوق الفلسطينيين (رويترز)

مشهد أوّل من أمس الذي تابعه العالم كلّه بحفاوة من البيت الأبيض، كان مشهدًا قاسيًا جدًا على "محور الممانعة" أو العالم الآخر "المقاوم" الذي تديره إيران. فقد حظي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بـ "استقبال ملكي"، وبصداقة استثنائية مع الولايات المتحدة وشراكة دفاعية وشراكة تجارية استثمارية، من دون أن يحيد عن محورية القضية الفلسطينية أو التنازل عن أهميتها أو عن حق الفلسطينيين بدولة ترعى شؤونهم، بل أعاد التذكير من البيت الأبيض بأن لا حل في المنطقة إلّا وفق مبادرة السلام التي أطلقها الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز، وحينها كان لا يزال وليًا للعهد كما الأمير محمد اليوم في القمة العربية التي انعقدت في بيروت عام 2002، وعرفت بـ "إعلان بيروت".

بالفعل، لقد خرجت المملكة العربية السعودية من قمة البيت الأبيض بنتائج تاريخية ملموسة، لكن النتيجة الأبرز لهذه القمة تكمن في ضرب مفهوم "الممانعة هي السبيل الوحيد" الذي رسخته الجمهورية الإسلامية في إيران منذ أكثر من 40 سنة، مع بدئها تصدير ثورتها الإسلامية، فخدعت الشعوب بمفهوم الحرب اللامتناهية، وأعادت الفساد في كلّ أرض توسّعت نحوها، ونشرت الفقر والعوز والخراب والدمار أينما حلّت، دائمًا تحت شعار "نصرة فلسطين" و"يا قدس إنا قادمون" و"زحفًا زحفًا نحو القدس"... من دون تحقيق أية نتائج إيجابية في هذا المجال، بل كانت النتائج معكوسة.

ولعل الوقت قد حان لرسم خط بياني ومقارنة وضع الفلسطينيين وحجم الأراضي الفلسطينية وواقعها قبل التدخل الإيراني، وحالها اليوم بعد التدخل الإيراني المباشر ومحاولة احتكار القضية الفلسطينية وتلزيمها لأذرعها كـ "حماس" و"حزب الله" وغيرهما، لنرى حجم الضرر المباشر الذي سبّبه هذا التدخل وهذا الاحتكار.

ولتسهيل عملية تمدّدها نحو عقول الشعوب العربية وتجنيدهم في مشروعها، أرست طهران ثلاثة مفاهيم شكّلت الدعائم الرئيسية لرسم سياستها في المنطقة وتخدير شعوبها. أوّلها، أن الولايات المتحدة هي "الشيطان الأكبر"، وهي لا تبدّي سوى مصلحة إسرائيل في المنطقة. ثانيها، أن لا مكان لأي علاقة صداقة مع أميركا لأنها لن تسمح بنشوء أي قوة عسكرية ولو صديقة إلى جانب إسرائيل. وثالثها، أن لا حل للمسألة الفلسطينية إلّا بالسلاح ولا مكان للدبلوماسية في هذا الصراع.

شكّلت "الزيارة الملكية" صفعة "ثلاثية الأبعاد" لمفهوم "الممانعة" على الطريقة الإيرانية، وضربت كلّ هذه المفاهيم بحجر واحد، وأعادت العرب مع قضيّتهم المحورية، أي فلسطين، إلى طاولة الشراكة العالمية. فقد أثبتت الزيارة وما سبقها وما سيلحقها أنه يمكن للعرب نسج أفضل العلاقات مع واشنطن، وإرساء توازن بين علاقة أميركا معهم وعلاقتها مع إسرائيل. ولعلّ ما جرى منذ الغارة على الدوحة، وصولًا إلى وقف حرب غزة وإقرار خطة ترامب، خير دليل على ذلك.

كما أثبتت قمة البيت الأبيض أن العرب قادرون على التعاون مع أميركا لتطوير قدراتهم العسكرية، ولعلّ خروج الأمير محمد بن سلمان "حاملًا مفاتيح" مقاتلات "أف 35"، التي تعدّ الأكثر تطورًا بين المقاتلات الجوية، رغم أنف القيادة العسكرية الإسرائيلية التي رفعت تقريرًا للقيادة السياسية قبل أيام من الزيارة، بحسب الإعلام الإسرائيلي، تشرح فيه أسباب اعتراضها على هذه الصفقة لأنها تفقد إسرائيل تفوّقها الجوّي في المنطقة، إلّا أن ترامب وافق على منح السعودية هذه المقاتلات، ولم يقف عند هذا الحدّ، بل أعلن ارتقاء التعاون العسكري مع الرياض إلى مستويات أعلى من خلال تصنيف السعودية حليفًا عسكريًا رئيسيًا للولايات المتحدة من خارج حلف "الناتو".

وفي وقت كان أصحاب النوايا السيّئة من "محور الممانعة" يروّجون إلى أن هذه الشراكة ستأتي على حساب فلسطين وشعبها، فاجأهم بن سلمان بالتمسّك بموقفه المدافع عن حقوق الفلسطينيين بدولتهم ورفض من داخل المكتب البيضوي المضي بمسار التطبيع مع إسرائيل قبل التوصل إلى حل الدولتين وفق "إعلان بيروت".

لم تبخل السعودية يومًا في دعم فلسطين وشعوب المنطقة، بل اعتمدت مسارًا متناقضًا مع مسار المرشد الإيراني. وقد كشفت "الزيارة الملكية" الخدعة الكبيرة التي رسّختها إيران في المنطقة، وأسقطت منطق الحرب اللامتناهية حتى تحرير القدس، الذي دغدغت به طهران مشاعر العرب طوال السنوات الماضية. كما عرّت الزيارة منطق "الممانعة والمقاومة" الذي ثبت زيفه، وفتحت مسار الدبلوماسية الهادفة، التي هي المسار الأنجح لتحقيق الأهداف، وأظهرت بوضوح أن من يسلك المسار الممانع الإيراني يقود بلده وشعبه إلى الدمار والهلاك، ومن يسلك المسار الدبلوماسي سيصل حتمًا، ولو بعد حين.

ولعلّ المثال الأبرز على ذلك يتجسّد في سوريا. فـ "سوريا الأسد" التي دخلت فلك الممانعة والدعم الإيراني ونعتت يومًا القادة العرب بـ "أنصاف الرجال"، هلكت وهلك شعبها، ويوم خرجت سوريا من فلك إيران إلى فلكها الطبيعي العربي، وضعت نفسها على سكة الإنقاذ والنمو والتقدّم.

الأمير محمد بن سلمان رسم المشهد وشق المسار، والمطلوب اليوم من دول المنطقة التعمّق بمعاني هذا المشهد ونتائجه والاتعاظ من نجاحه وإيجابياته وأن تحذوَ حذوه، بدءًا من لبنان.