جورج الأسد

يوم "الصفعات" الثلاث!

5 دقائق للقراءة

كان الثلثاء الفائت، وتاريخه 18 تشرين الثاني 2025، يومًا مشهودًا، إذ أن الولايات المتحدة الأميركية وجّهت فيه "صفعات" مدويّة إلى ثلاث دول هي لبنان وايران وإسرائيل.

"الصفعة" إلى لبنان تمثّلت في إلغاء زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن في تدبيرٍ جاء فعلاً صادمًا نظرًا لعلاقة الدعم الطويلة التي تمتّع بها جيشنا اللبناني من إدارات أميركية متتابعة، واستمرّ مع الادارة الحالية منذ تسلمّها لمقاليد السلطة في بلادها في كانون الثاني الماضي.

طبعًا، ومن منطلق حسّنا الوطني، لم نكن في وارد تقبّل أن يتلقّى بلدنا مثل هذه المعاملة بالرغم من أنه قد قُصِدَ منها توجيه جرس إنذار له. إنما ما جعلها في غاية الخطورة هو أنها تزامنت مع بدء أعمال مؤتمر Beirut One وافتتاحه من قِبَل رئيس الجمهورية، كما لو أنها فتحت المجال لتكهّنات إضافية ومن نوعٍ آخر أن هذا المؤتمر برمّته سيذهب هباءً منثوراً طالما أن الدولة لا تنفكّ تتأخّر في حصر السلاح الذي بحوزة "حزب الله" في يدها، كما التزم به جميع الأطراف ومن ضمنهم "حزب الله" عبر "الأخ الأكبر" في اتفاق وقف الأعمال العدائية بتاريخ 27 تشرين التاني 2024.

وكأن "الأميركي" يقول " أيها اللبنانيون، لا تحلموا بالإعمار والاستثمارات الأجنبية والنهوض بالبلد الا بهذا الشرط الأساس الذي لا غنى ولا بديل عنه، وكنا قد حذّرناكم من مغبة التلكؤ في تنفيذه مراراً وتكراراً."

في ما يخصّ الإيرانيين، فلقد حملت "الصفعة" التي تلقّوها ثلاثة تفسيرات أكيدة. أوّلها يخصّنا مباشرةً، وهو أن القيادة اللبنانية لن تتمكّن من مسايرتكم بعد اليوم، إذ أن تشبّثكم بالابقاء على عسكرة "حزب الله" سيجعل تلك القيادة تخصّص حسبان الألف حساب لعدم اضاعة فرصة قيام البلد، وليس لكم!"

ومن باب الممكن أن تكون رسالة الأميركيين المتلازمة مع هذا هي: "لا يغرّكم ما حصلتم عليه من نتائج لصالحكم في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق، إذ أننا سنتحمّل أن يظلّ لكم مجال نفوذ معيَّن في ذلك البلد، إنما سيتوجّب أن يكون "مُدوزَناً" ويظلّ محصوراً هناك. ان سوريا قد غدت في صفّنا، ونحن نوازن فيها بين تركيا وإسرائيل والعرب. اما في لبنان، "كِش ملك"، اللعبة انتهت!"

أما ثاني التفسيرات في ما يخصّ إيران فيتمثّل في صفقة الطائرات الحربية من طراز F-35 التي أجازها الرئيس ترامب للمملكة العربية السعودية في أول يوم من زيارة ولي العهد السعودي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة (في ذلك اليوم المشهود عينه) محذّراً بذلك إيران إلى أن عود المملكة سيقوى تجاهها في منطقة الخليج...العربي!!!

وثالث تلك التفسيرات ما أتى من باب التصريح عن الدعم الذي ستقدّمه الولايات المتحدة الأميركية الى المملكة العربية السعودية لتحقيق طموحها في انشاء برنامج نووي مخصّص للأغراص السلمية. ويمكن للمراقِب أن يمَعِّن هذا وكأن أمريكا تقول لإيران "أنك لن تتفرّدين بالتقنية النووية الواسعة النطاق في منطقة الخليج ولو للأغراض السلمية كما تدّعين، وها هي ستكون متوفّرة للدولة الكبرى في الخليج (السعودية) إضافةً الى وجود محطة "براكة" للطاقة النووية في دولة الإمارات العربية المتحدة التي تفعّلت وحداتها الانتاجية الأربع تباعاً في الأعوام 2020، 2021، 2022، و2024".

اما بالنسبة لإسرائيل، فإن صفقة تزويد المملكة العربية السعودية بطائرات F-35 المتطوّرة، ومجاهرة الرئيس ترامب بأنه لا يرى ما يمنع في أن تكون بالمواصفات ذاتها المجهّزة بها طائرات إسرائيل من الطراز نفسه من منطلق أن "هؤلاء حلفاؤنا وأولئك حلفاؤنا"، قد شكّلت تطوراً فوق العادة في توازنات أمريكا في الشرق الأوسط نَزَلَ وَقعَه على إسرائيل بمثابة "الصفعة" المصحوبة بدش ماء بارد.

مضى الرئيس ترامب بقراره هذا فوق كل الاعتراضات التي صدرت من جهات فاعلة في إسرائيل، ولا بد أيضاً من مؤيدين أمريكيين لها وهم كُثُر. والتفسير البارز لما يقوم به الرئيس ترامب هو أن نظرة الولايات المتحدة للمنطقة قد بدأت تتبدّل بموجب عقيدة جديدة مبنيّة على أن القفز بالمصالح الاقتصادية إلى مستويات تريليونية غير مسبوقة في التاريخ، وإقرانها ببناء الثقة المتبادلة إلى مستويات تُطَمئِن جميع الأفرقاء، تشكّل نموذجاً سياسياً جديداً يخلق توازناًً معيّناً بين الحلفاء سيكون كفيلاً بتطوير اقتصاديات دول المنطقة والحفاظ على استقرارها الداخلي وتحقيق السلام في ما بينها ضمن إطار المحافظة على مصالح الولايات المتحدة فيها.

في المحصّلة، فإن الظاهر جلياً للعيان هو أن الولايات المتحدة سائرة في مخطّطها للمنطقة بحزم، وفي مقدّمته رسم وتثبيت حدود النفوذ والتحرّك لكل لاعب فيها؛ كما انها عاقدة العزم على أن لا تتراخى في هذه الخطط أو تتخلّى عنها.

فليُسَلِّم الممانعون في الإقليم وفي الداخل بحقيقة أن الشعب اللبناني بأكمله، وبيئتهم ضمناً، يعلمون في أعماق أنفسهم بعد التجربة أن خلاصهم أجدى بأن يأتي بسلام ومسؤولية اليوم بدلاً من بعد مزيد من الدمار والخراب والتقهقر في وقتٍ لاحق.


 صاحب رأي سيادي مستقل