يدخل لبنان اليوم مرحلة حسّاسة، تُشكِّل واحدة من أخطر المنعطفات التي مرّت عليه خلال تاريخه الحديث، إذ باتت البلاد عمليًا ساحة مواجهة مفتوحة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. وما قد يبدو أحداثًا متفرقة من ضغوط مالية وأمنية وعسكرية، يتكثّف اليوم في مسار واحد يُضيِّق تدريجيًا على الدولة ويدفع الجميع نحو لحظة حسم لا مفرّ منها.
على المسار الاقتصادي، يبدو أن الهجوم الذي شنّه الإعلام الإيراني على حاكم مصرف لبنان لم يكن خلافًا حول إدارة نقدية. فحاكم مصرف لبنان يحاول إخراج الاقتصاد الوطني من جحيم اللوائح السوداء التي تهدد شعبه بالجوع واقتصاده بالانهيار الشامل. لهذا، فالتعاون بين المصرف المركزي والهيئات الدولية الرقابية، خصوصًا في ملفات غسل الأموال، يُحسِّن صورة البلد، مما قد ينعكس في المستقبل على تحسُّن تصنيفه المالي. لكن يبدو أنه يضرب مباشرة البنى المالية غير الشرعية التي يعتمد عليها حزب الله للحفاظ على قوته المالية، وفي مقدّمها "القرض الحسن".
ووفق صحيفة Tehran Times، فإن "القرض الحسن ليس مجرد صندوق قروض خيرية، بل نموذج اقتصادي متكامل، … وأي محاولة لتقييده تُعتَبَر جزءًا من الحرب الأمريكية الاقتصادية".
ظهور الانزعاج الإيراني في الصحافة الرسمية يُؤكِّد أنّ القرار النقدي اللبناني دخل في اشتباك مباشر مع مصالح طهران الاستراتيجية، وأي تقييد لعملية غسيل الأموال ستعتبرها إيران مُوجَّهة ضدها. وبذلك تحوّل الحاكم من مسؤول مالي إلى هدف سياسي، مما سيعقّد أي محاولة أو خطة مهما كانت مهمة وعلمية لإخراج لبنان من اللوائح السوداء التي حوّلت اقتصاد لبنان إلى جحيم، في حين أنها حوّلت اقتصاد حزب الله إلى نعيم.
على المسار العسكري، تلقت المؤسسة العسكرية اللبنانية رسالة أميركية قاسية عبر إلغاء لقاءات قائد الجيش في واشنطن التي اُعتُبِرَت بمثابة أول مؤشر على استياء الإدارة الأميركية. بالإضافة إلى ذلك، وصف السيناتور ليندسي غراهام أداء الجيش بأنه "فشل كبير لجهود دفع لبنان للأمام". أما السيناتور جوني إرنست فقد أعربت عن خيبة أملها، معتبرة أن بيان الجيش اللبناني يضعف قدرة الجيش على معالجة النفوذ المسلَّح. من جهة أخرى، أكد رئيس التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية والعضو في الحزب الجمهوري الأميركي توم حرب أن دعم الجيش مشروط بوجود خطة واضحة لنزع السلاح غير الشرعي، وأن الخطاب العسكري الأخير يعكس ضعف الالتزام اللبناني في معالجة النفوذ الخارجي.
هذه المواقف تؤكد أن واشنطن لم تعد تقبل بالخطاب العسكري الرمادي، وأن الجيش يجب أن يكون فاعلًا في ممارسة السيادة ومنع أي تحركات غير شرعية.
على المسار الأمني، أظهر التصعيد الإسرائيلي في الجنوب ومخيم عين الحلوة الضعف البنيوي في الدولة. فكل مواجهة تندلع خارج قرار المؤسسات الشرعية تتحوَّل إلى مرآة صافية تكشف واقع السلاح الموازي الذي يجرّ لبنان إلى صدامات لا يملك خيار الدخول فيها أو الخروج منها.
أمام هذه المسارات الثلاثة، بات لبنان وطنًا وشعبًا وجيشًا في قلب معادلة حسابية معقدة لا ترضي أحدًا:
- حزب الله يعتبر أنّ الدولة تخضع للإملاءات الأميركية وتسمح للمسار المالي الدولي بأن يطال شبكاته.
- واشنطن ترى أنّ تردّد السلطة السياسية حيال نزع سلاح حزب الله لا يخدم مشروع بناء دولة مزدهرة.
- إسرائيل تتصرف وكأنها شرطي مكلّف بإدارة جنوب لبنان، تقتل من تشاء، وتُدمِّر ما تريد من دون حسيب أو رقيب، فيما يكتفي الشيخ نعيم قاسم بإطلالات إعلامية تخدم إسرائيل أكثر مما تحمي الجنوب.
الرسالة الأميركية واضحة: لا إمكانية للاستمرار في سياسة الرمادية. فالمطلوب من الدولة اللبنانية موقف عملي تنفيذي وليس كلامي استعراضي، يؤكد أنّ السلاح الشرعي هو سلاح الدولة فقط، وأنّ الجيش هو السلطة الأمنية الوحيدة، وأنّ لا مكان بعد اليوم لأي شبكة مالية أو أمنية خارج الشرعية لأنها تُضعِف الكيان وتُعرِّضه لانهيارات متلاحقة.
ما يحصل في لبنان ليس تطوّرًا بسيطا، بل إنذارًا دوليًا جديًا بأن زمن المساومات انتهى. ما يُمنح للبلاد اليوم ليس وقتًا إضافيًا، بل آخر فرصة قبل انفجار يصعب بعده إدارة الجحيم. إمّا قرار واضح يعيد توحيد الدولة تحت سلطة واحدة، وإمّا دخول لبنان وضعًا يشبه بحيرة الدم والحمم التي يسبح بها قطاع غزة.