العميد المتقاعد جوني خلف

"الحزب" بين السلاح والدمار: من "مقاومة" إلى عبء وطني

7 دقائق للقراءة

منذ أربعة عقود، نشأ "حزب الله" على أنقاض الحرب الأهلية وتحت راية "المقاومة" ضدّ الاحتلال الإسرائيلي. يومها حمل شعارات الكرامة والتحرير، فالتفّ حوله جمهورٌ واسع من اللبنانيين، وخصوصًا في الجنوب والبقاع. لكن مع مرور الوقت، تحوّل "الحزب" من حركة مقاومة وطنية إلى منظومة مسلّحة فوق الدولة، تمتلك قرار الحرب والسلم، وتتحكّم بمصير الوطن برمّته.

من المهم التمييز بين الشيعة اللبنانيين كمكوّن وطني أصيل، وبين "الحزب" المسلّح الذي يدّعي تمثيلهم. الشيعة أبناء هذه الأرض، منهكون من الحروب ومن خطاب التحريض. هم أهل كرامة وثقافة وإبداع، لكن "الحزب" حوّلهم، زورًا، إلى عنوان سياسي واحد، وصوّر نفسه وكأنه الناطق باسمهم. الحقيقة أن كثيرين من أبناء الطائفة باتوا يشعرون اليوم بأن سلاح "الحزب" صار عبئًا عليهم قبل أن يكون حاميًا لهم.

في الوثيقة التأسيسية عام 1985، أعلن "الحزب" ولاءه الصريح لولاية الفقيه ولقيادة الخميني في إيران. هذه المرجعية ليست دينية فحسب، بل سياسية وعقائدية ترسم شكل المشروع المستقبلي لـ "الحزب": دولة إسلامية على نموذج النظام الإيراني، تُدار وفق سلطة الوليّ الفقيه التي تتجاوز حدود لبنان ودستوره. "الحزب" لا يرى نفسه جزءًا من دولة لبنانية مستقلة، بل امتدادًا لمشروع إقليميّ عقائدي. الدولة، بالنسبة إليه، ليست أكثر من غلافٍ شكلي لا يقيّد سلطته الفعلية.

يربط "الحزب" وجوده العقائدي بفكرة المهدي المنتظر وبمشروعٍ ديني يتجاوز السياسة. السلاح، في نظره، ليس مجرد أداة دفاع، بل جزء من العقيدة ذاتها، من الحق الإلهي بالمقاومة. لذلك لا يستطيع التخلي عنه، لأنه يعتبره الضمانة الجوهرية لوجوده ولدوام مشروعه العقائدي. وهكذا يصبح السلاح أقدس من الدولة، والوليّ الفقيه أسمى من الدستور. هذا التناقض هو الذي يضع لبنان في مأزق دائم بين ولاء خارجي مفروض وكيان وطني مهدّد.

تكشف الوقائع التي عرفها "الحزب" خلال السنوات الماضية حجم التفكك البنيوي الذي يتستر عليه خلف خطاب القوة. كلّما تسلّل إليه عميل، أو ظهرت مجموعة داخلية تعمل لإيقاعه من الداخل، أو طفت على السطح مصالح شخصية تتقدم على الانضباط، اهتزت قيادته وانكشفت هشاشته. هذه الاختراقات ليست حوادث عابرة، بل دلائل على وجود شروخ عميقة داخل جسم "الحزب" تُربك قراراته وتُضعف تماسكه، مهما حاولت ماكينة الدعاية تصويره كجسم متراص لا يتزعزع.

ورغم محاولاته الدائمة لصناعة صورة الصف الواحد، أثبتت الأحداث أن التصدّع ينهش داخله، وأن عناصر متسللة أو مجموعات معادية من داخله نجحت في إحداث ارتباك قيادي خطير وصل إلى حدود الاغتيالات والتصفية الداخلية. ما جرى ليس تفصيلًا، بل دليل على أن "الحزب" نفسه عرضة للتفكك والانهيار الداخلي، وأن سلطته الظاهرة تخفي حالة ضعف وفوضى يعجز هيكله التنظيمي عن ضبطها.

إن من يزعم نّه الأقوى هو نفسه من تكشفه التجارب بأنه الأكثر عرضة للاختراق، والأبعد عن الانسجام الداخلي، والأقل قدرة على حماية بنيته من الانهيار المتدرّج.

لا يمكن لدولة أن تنهض وهناك دويلة داخلها. سلاح "الحزب" شلّ مؤسسات الدولة وقيّد القرار الوطني. كل حكومة تمرّ، وكل تسوية تُعقد، تُربط برضا "الحزب" أو "حقّه في المقاومة". وهكذا أصبحت شرعية الدولة معلّقة على رصاصة "حزب الله". النتيجة واضحة: اقتصاد منهار، مؤسسات عاجزة، وهجرة تتصاعد. كلّما لوّح "الحزب" بسلاحه أو دخل في مواجهة، اهتز الاقتصاد وارتفع الدولار، وكأن الليرة ترتجف على وقع بياناته العسكرية.

أهل الجنوب يعرفون جيدًا ماذا يعني أن تعيش في منطقة حُوّلت إلى ساحة دائمة للحروب بالوكالة. منذ عقود، يدفع الجنوبيون ثمن المواجهات: من منازلهم ومزارعهم ومستقبل أولادهم. "الحزب" يقول إنه يحميهم، لكنه في الحقيقة يبقيهم رهائن للسلاح والخوف. الجنوب ليس متراسًا، بل بشر يريدون أن يعيشوا بسلام. كم من قرية تهدمت؟ كم من جيل ضاع بين النزوح والبطالة؟ لا أحد يجيب، لأن من يملك السلاح لا يُسأل، ومن يدفع الثمن لا يُسمع.

إلى جانب السلاح، يمتلك "الحزب" شبكة مالية واقتصادية تعمل خارج رقابة الدولة. تمويل إيراني مباشر، وتحويلات عبر مسارات غير شرعية، وقطاعات اقتصادية تُدار في الظل. نشأت دولة داخل الدولة، لها اقتصادها ومؤسساتها وجيشها، فيما الدولة الشرعية تُحتضر على طاولة الإفلاس. كيف يمكن للبنان أن يقنع العالم بجدّيته في الإصلاح وهو عاجز حتى عن ضبط حدوده المالية؟

وهنا تبرز خطورة ما قاله الشيخ نعيم قاسم، حين وجّه كلامه إلى حاكمية مصرف لبنان دفاعًا عن القرض الحسن ، هذا الكيان غير الشرعي وغير المرخص، الذي يتيح تداول أموال ضخمة خارج النظام المصرفي الرسمي. تقديم القرض الحسن كجمعية مساعدات إنسانية ليس سوى التفاف صارخ على الدولة وقوانينها وتعزيز لاقتصادٍ موازٍ ينسف ما تبقى من الثقة بمالية لبنان.

هذه الوقائع تلاقت مع ما كشفه مسؤول في وزارة الخزانة الأميركية خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت، عن تهريب الأموال المرتبط بـ "الحزب"، وعن الشبكات المالية الموازية التي تُستخدم لتجاوز الرقابة الدولية، ما يعيد لبنان إلى دائرة الشبهات والعقوبات. كما شدّد المسؤول على أن "الحزب" غير قابل للدخول في أي تفاوض مباشر مع إسرائيل، ما يقفل نافذة الحلول الدبلوماسية ويُبقي لبنان في قلب العاصفة.

إن الربط بين الموقف الداخلي لـ "الحزب" والموقف الدولي يؤكد أن المشكلة لم تعد في السلاح فقط، بل في منظومة مالية أمنية سياسية تُدار خارج الدولة، وتجرّ لبنان إلى مزيد من الانهيار والعزلة.

صحيح أن "الحزب" خاض مواجهات ضد إسرائيل، لكن تلك المقاومة التي كانت يومًا موضع إجماع وطني انقلبت حين تجاوزت حدود الدفاع إلى التدخل في صراعات إقليمية لا علاقة للبنان بها. من سوريا إلى اليمن والعراق، تحوّل المقاتل إلى جنديّ في جيش ولاية الفقيه، يُقاتل حيث تأمره طهران. ومع هذا التحوّل، سقطت صورة المقاومة الوطنية، وظهرت حقيقة التنظيم العقائدي العابر للحدود.

كل ما تقدّم يقود إلى حقيقة واحدة: "حزب الله" لن يسلّم سلاحه. لا بالحوار ولا بالضغوط. لأنه يعتبره جوهر وجوده ومفتاح مستقبله. وبهذا سيبقى لبنان أسير سلاحه، يعيش في ظل دولة عاجزة، واقتصاد منهار، ومواطن يائس. السلاح لن يُسلّم لأن "الحزب" لا يرى في الدولة وطنًا نهائيًا، بل محطة في مشروع عقائدي أكبر. ولن يتغيّر شيء ما دامت العقيدة هي هي.

يمرّ "حزب الله" بمرحلة إعادة بناء وتعزيز، بمساعدة "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، ما يرسّخ أكثر ارتباطه البنيوي بالنظام الإيراني. فالسلاح الذي يحمله "الحزب" ليس سلاحًا لبنانيًا مستقلًا، بل جزء من مشروع الولي الفقيه في طهران، يستمد منه شرعيته وولاءه العقائدي والسياسي. لذلك تبدو المعادلة واضحة: طالما بقي النظام الإيراني قائمًا، سيظل "الحزب" متمسكًا بسلاحه، أما التخلي عنه فلا يصبح ممكنًا إلا إذا سقط هذا النظام، لأن السلاح في جوهره امتداد مباشر لولاية الفقيه.

لم يعد خافيًا أنّ "الحزب" شوّه صورة لبنان عالميًا وعربيًا وجعل الدولة موضع شك وعزلة. سيطرته على المعابر غير الشرعية وتحويلها إلى خطوط تهريب من الكبتاغون والمخدرات إلى السلاح، جعلت لبنان منصة للجريمة المنظمة وأسقطته في عزلة دبلوماسية واقتصادية. هذا ليس مجرد تجاوز، بل جريمة منظمة تتسبب يوميًا في تآكل ثقة العالم بلبنان.

وجود "الحزب" يجعل لبنان رهينة لسلاحه، ويجعل أي انتعاش اقتصادي أو مالي بعيد المنال. طالما القرار السيادي محجوز لدى كيان مسلّح خارج الشرعية، ستبقى الدولة عاجزة عن استعادة اقتصادها أو إعادة الثقة للمؤسسات أو جذب الاستثمارات أو ترميم علاقتها بالعالم العربي.

اليوم، حق لبنان في حماية حدوده وانسحاب إسرائيل بات مرتبطًا بموازين القوة التي يفرضها "الحزب" لا بمؤسسات الدولة. لا يمكن تحقيق أي انتعاش أو أمن حقيقي ما دام القرار العسكري والسيادي محصورًا بجهة واحدة تستخدم شعار التحرير لفرض نفوذها. وهذا يضع "الحزب" في مواجهة اللبنانيين والعرب والعالم، لأنه يُظهر بوضوح أن استمرار هيمنته يضعف الدولة بدل أن يحميها.

ولعلّ الأخطر من سلاح "حزب الله" هو صمت الدولة التي سمحت له بالنمو داخلها، فخسرت دورها وهيبتها قبل أن تخسر سيادتها.