ليست المقارنة بين نوح زعيتر في لبنان وبابلو إسكوبار في كولومبيا مجرّد مفارقة صحفية، بل مرآة تعكس التشابه العميق بين بيئتين تُنتج فيهما الفوضى رجالاً يتحولون من هامش المجتمع إلى مركزه. ورغم الاختلاف في الحجم والتأثير، يبقى الخيط الرفيع الذي يجمعهما مصنوعاً من المكونات نفسها: مجتمعات مهمَّشة ومسحوقة بالفقر، دول غائبة، ومؤسسات عاجزة تركت فراغاً تمدّد فيه الخارجون عن القانون حتى صاروا جزءاً أساسياً من المشهد السياسي والاجتماعي يُعوِّض غياب الدولة.
خرج إسكوبار من أحياء ميديلين الفقيرة، تماماً كما خرج نوح زعيتر من قرى الهرمل المهمَّشة. في المكانَيْن، تشكّل الفقر كبنية اجتماعية كاملة تولِّد اقتصاداً بديلاً، وثقافة بديلة، وسلطة بديلة.
لم ينمُ نفوذ إسكوبار في ظل دولة قوية، بل في ظل دولة مفككة، متنازعة، تخشى مواجهة المافيات.كذلك نوح زعيتر لم يعش في ربوع دولة موحدة، بل سلطة مرتبكة تتجنب الصدام في مناطق تعتبرها "حساسة"، تاركةً مساحة واسعة لاقتصاد الظل وتجارة السلاح والمخدرات. وفي ظل هذه الفوضى، يصبح الخارج عن القانون "ظاهرة طبيعية" أكثر منه استثناءً.
لا يمكن لمشروع إجرامي أن ينمو من دون غياب الدولة. في كولومبيا، فشل المؤسسات سمح لإسكوبار بأن يبني جيشاً خاصاً. وفي لبنان، يتكرر المشهد من زمن الاحتلال السوري مروراً بوصاية حزب الله وصولاً إلى اليوم، مما مكّن نوح زعيتر وعشرات غيره من بناء شبكاتهم وعصاباتهم ونفوذهم.
المفارقة أن كليهما تحوّل إلى صورة رمزية داخل بيئته. فإسكوبار بنى ملاعب وأحياء كاملة لشراء الولاء الشعبي، وزعيتر يظهر بصورة "ابن الضيعة" القريب من الناس، الذي يملأ فراغ الدولة في الخدمات والحماية و"الحضور".
هذه الظاهرة تكشف انهياراً أخطر: المواطن عندما يفقد ثقته بالدولة، يبحث عن بديل.إسكوبار صنع إمبراطورية عالمية وسط حرب مفتوحة مع الدولة الكولومبية.ونوح زعيتر بنى نفوذه عبر ثغرات النظام اللبناني، حيث تتداخل السياسة بالسلاح، والأمن بالتوازنات. القاسم المشترك هو نفسه: حين تنهار مؤسسات الدولة، تنشأ سلطات موازية تفرض حضورها بقوة الأمر الواقع.
بين نوح زعيتر وإسكوبار خيط رفيع، ليس في الشخصية ولا في التاريخ، بل في الظروف التي صنعت كليهما. الفقر يعطي الشرارة، الفوضى توفر البيئة، وغياب الدولة يصنع "أسطورة" يبحث الناس فيها عن حماية بديلة.