جويل غسطين

بعدسة فريد جورداو

معرض "دروب السِّرتاو الجديد": رحلة إلى قلب البرازيل

6 دقائق للقراءة

أطلقت "سفارة البرازيل في بيروت"، بالتعاون مع "معهد غيمارايس روزا - بيروت"، فعاليات معرض "دروب السِّرتاو الجديد" للمصوّر البرازيلي فريد جورداو، والذي افتُتح في 6 تشرين الثاني الجاري ويستمرّ حتى 5 كانون الأول 2025. يأتي هذا المعرض ضمن برنامج ثقافيّ متكامل يهدف إلى تسليط الضوء على منطقة شمال شرق البرازيل من زوايا متعدّدة تجمع بين الفنون البصريّة والأدب والسينما. جورداو الذي حضر افتتاح المعرض تبادل مع الجمهور رؤيته حول تجربته الطويلة في توثيق هذه المنطقة ورصد تحوّلاتها عبر عدسته.


يستمدّ المعرض جذوره من الإرث الأدبي العميق للكاتب البرازيلي البارز جواو غيمارايس روزا، صاحب رواية "دروب السِّرتاو" التي أحدثت تحوّلًا في النظرة إلى المناطق الداخلية في البرازيل، مقدّمةً السِّرتاو "كفضاء إنساني نابض بالأسئلة والتجارب الوجودية، لا كأرض نائية أو قاحلة فحسب"، كما يقول رئيس "القسم الثقافي والإعلامي في السفارة البرازيلية" بابلو روميرو في حديث مع "نداء الوطن". يضيف روميرو أن بعد مرور سبعين عامًا على هذا العمل، يستمر السِّرتاو في التطوّر، بحيث باتت منطقة شمال شرق البرازيل اليوم، فضاءً يجمع بين الزراعة العائليّة ومشاريع الطاقة المتجدّدة، مع حفاظها على تقاليد راسخة تشكّل صلب هوّية المكان وذاكرته.

اختيار السِّرتاو موضوعًا لهذا المشروع الثقافي يأتي في إطار رسالة "معهد غيمارايس روزا - بيروت" الهادفة إلى إبراز تنوّع الهوية البرازيلية وتعميق جسور التبادل الثقافي مع لبنان، بحسب ما يقول المدير العام للمعهد سليمان قرباني لـ "نداء الوطن"، مشيرًا إلى دور المعهد كجسر بين الأدب والفنون البصرية، ما يعزز الحوار الثقافي بين عالمَين يجمعهما تاريخ طويل من الروابط الإنسانية.


برنامج ثقافي متكامل

يكشف قرباني أن هذا الحدث لا يقتصر على عرض الصُّور فحسب، بل يأتي ضمن دورة ثقافية كاملة تفتح نافذة واسعة على شمال شرق البرازيل عبر الفنون والقصص والشاشة الكبيرة. فمن خلال مجموعة من الأفلام الشهيرة التي دارت أحداثها في عالم السِّرتاو، مثل: "Central do Brasil" ،"Abril Despedaçado" ،"Bacurau" ،"Cinema, Aspirinas e Urubus"، سيتمكّن الزوّار من اكتشاف المنطقة بعيون المخرجين ورواة الحكايات البرازيليّين.

ولتعميق هذه الرحلة الثقافية، نظم المعهد لقاءً مباشرًا مع المصوّر فريد جورداو، روى في خلاله تجربته ومساراته في قلب السِّرتاو. وتتخلّل البرنامج ورش عمل وأنشطة تربوية مخصّصة للطلاب والمهتمين، تتيح لهم الغوص أكثر في أبعاد هذه الثقافة الغنية والتعرّف على قصص سكّانها وفنونها وتاريخها.


عدسة تبحث عن الحياة

"بطل" المعرض المصوّر البرازيلي فريد جورداو، جاب دروب منطقة السِّرتاو على مدى ثلاثة عقود، ملتقطًا الصّور ومستندًا إلى روابط عائليّة وتاريخيّة عميقة مع المنطقة، بحيث تعكس تمازج الواقع مع الرمزية العميقة للسِّرتاو.

تُظهر أعماله عالمًا غنيًّا بالضوء والألوان والوجوه والحكايات، حيث تتقاطع الصلابة مع الجمال، والبساطة مع الشعرية، والماضي مع الحاضر. ومن خلال هذه العدسة الفنية، يقدّم المعرض رؤية معاصرة لسرتاو متجدّد ومفعم بالحياة، ويتيح للجمهور اللبناني فرصة لاكتشاف إحدى أبرز الأيقونات الثقافية في البرازيل من منظور بصري إنساني.

وفي حديث لجورداو مع "نداء الوطن"، يكشف شغفه العميق بمنطقة السِّرتاو في شمال شرق البرازيل، قائلًا إن هذا الفضاء الجغرافي الصعب بمناخه شبه الجاف ونظامه البيئي الفريد "كاتينغا"، لم يكن بالنسبة له مجرّد موضوع تصوير، بل هو ذاكرة شخصية وأرض للأصول العائلية، وأفق لاكتشافاتٍ إنسانية وثقافية متجدّدة.

كما يروي جورداو أن السِّرتاو الذي ارتبط تاريخيًا في المخيّلة بدلالات العزلة والخشونة، بدأ يشهد منذ تسعينات القرن الماضي تحوّلات عميقة صنعها أهله، بإصرارهم على إيجاد حلول ذاتية للتحدّيات المناخية والاجتماعية. ويرى في هذا المكان تلاقيًا حيًا بين القديم والحديث، ما يولّد تناقضات تغذي مشروعه الفني وتجعله ساحة مفتوحة للإبداع والبحث الجمالي والإنساني.

في سياقٍ آخر، يوضح المصوّر البرازيلي الشهير أنه تأثر كثيرًا بأعمال الكاتب البرازيلي الكبير غيمارايس روزا، حيث وجد في روايته "Grande Sertão: Veredas" مفتاحًا لفهم البُعد الإنساني لحركة التحوّلات في السِّرتاو. فكما في الأدب، يرى جورداو في أرضه، موضوعًا للحركة والعبور والتكيّف والصمود، ويهتمّ في صُوره بما هو على وشك التغيّر، سواء بفعل المناخ أو الزمن أو أفعال البشر. يعترف أيضًا بأن رحلاته لم تكن سهلة، خصوصًا في مواسم الجفاف التي لطالما دفعت السكّان للهجرة. لكنه يرى اليوم تحسّنًا في الواقع الاجتماعي والبشري هناك، بحيث أسهم التقدّم التكنولوجي والسياسات الاجتماعية في توفير دعم للزراعة والتعليم وتمكين الأهالي من مواجهة الظروف القاسية. ولتصوير هذا العالم، يختار جورداو الانغماس الكامل بالحياة اليومية للسكان، مسافرًا وحده بمعداته البسيطة، ليصبح جزءًا من النسيج الاجتماعي للمكان.

أمّا أقرب الصُّور إلى قلبه، فهي تلك التي تلتقط وجوه الناس لأنها، كما يقول، "تكشف تنوّع الأعراق والثقافات التي صاغت روح السِّرتاو، وتروي قصص بشر تعلّموا التعايش مع الطبيعة الصعبة وتجاوزوا اختلافاتهم".

أخيرًا، يحمل فريد جورداو رسالة واضحة من معرضه: الدعوة إلى رؤية الأمل في مواجهة التحدّيات، والبحث عن مستقبل دون تدمير الماضي، والتعلّم من الطبيعة بدل تحدّيها، مؤكّدًا أن مشاريعه مستمرّة طالما يحمل الكاميرا، قائلًا: "ما دام العالم يتحرّك، فسيبقى عملي يتطوّر. نحن بحاجة لصناعة ذاكرة تساعدنا على بناء غدٍ أفضل".


اهتمام لبناني 

يعكس هذا المعرض، المستمرّ حتى 5 كانون الأول المقبل في "معهد غيمارايس روزا - بيروت" في الأشرفيّة - شارع مار متر - بناية طراد، حيويّة التبادل الثقافي بين لبنان والبرازيل، في ظلّ الروابط التاريخية العميقة ووجود جالية لبنانية كبرى في البرازيل إلى جانب حضور برازيلي لافت في لبنان. ويشهد المعهد تفاعلًا متناميًا مع برامجه الثقافية، ما يدلّ على رغبة واضحة لدى الجمهور اللبناني في استكشاف البرازيل بعمق أكبر. ومن خلال مبادراته، يسعى المعهد أيضًا إلى تجاوز الصُّور النمطية وتقديم المشهد البرازيلي الحقيقي بكلّ تنوّعه الجغرافي والإنساني، وهو ما يجسّده فريد جورداو عبر عدسته وأعماله الفنية التي تحتفي بروح المكان والناس.


الأمازون في الواجهة

يواصل "معهد غيمارايس روزا - بيروت" جهوده لتقديم صورة شاملة ومتنوّعة عن البرازيل. فبعد تخصيص معرض لمنطقة الأمازون بعدسة المصور جاك منسّى، في حزيران الماضي، يستعدّ المعهد لمتابعة تسليط الضوء على هذا الموضوع من خلال إدراجه في برنامج "نادي السينما" وأنشطة ثقافيّة مقبلة. ويأتي هذا التوجّه ضمن رؤية تهدف إلى تعريف الجمهور اللبناني بجغرافيا البرازيل المتعدّدة وفتح مساحات جديدة للحوار والتبادل الثقافي بين البلدين.