على أثر انتهاء مؤتمري الرياض والقاهرة والموافقة العربية على "نشر قوات الردع العربية على مجمل الأراضي اللبناني لمساعدة الشرعية اللبنانية على بسط سلطتها وجمع السلاح من أيدي جميع المقاتلين، وإعادة بناء ما هدمته سنة ونصف من الحرب المجنونة"، قرر الرئيس الياس سركيس مباشرة الخطوات العملية لتنفيذ تلك المقررات.
ورغم الجرح الجنوبي النازف، الذي راح يهدد كل مسيرة السلام العربي، تابع الرئيس سركيس الخطوات العملية لنشر قوات الردع العربية، فنهار الأحد 7 تشرين الثاني 1976 ألقى خطابًا أعلن فيه أنه "تقرر انتشار قوات الردع العربية على الأراضي اللبنانية لحفظ تعايشنا كدولة لها سيادتها، طالبًا من الجميع مساعدة الدولة على تنفيذ هذه الخطوة".
وكانت قوات الردع العربية تضم عند تشكيلها 30 ألف جندي توزعوا على الدول التالية: السعودية 1000 جندي والسودان 1000 جندي والإمارات العربية المتحدة 700 جندي واليمن الشمالية 400 جندي، فيما تكفلت سوريا بتغطية العدد المتبقي والبالغ 26900 جندي.
رفضت "الجبهة اللبنانية" التي كانت تضم: الرئيس كميل شمعون والرئيس سليمان فرنجية والشيخ بيار الجميل والآباتي شربل قسيس والنائب إدوار حنين والدكتور شارل مالك والدكتور فؤاد أفرام البستاني والمؤرخ جواد بولس الخطة المقترحة، وأعلنت نهار الاثنين 8 تشرين الثاني 1976، أن لا مبرر لدخول القوات السورية إلى المناطق التي ظلت تحت سلطة الشرعية وبقيت أراضيَ حرة، وأن المهمة الأساسية لقوات الردع العربية هي ردع المعتدي الفلسطيني الذي أمعن قتلاً وتخريبًا في الوطن.
في اليوم التالي، الثلثاء 9 تشرين الثاني 1976، أضربت المنطقة الشرقية رفضًا لدخول قوات الردع العربية إليها، شاركت في الإضراب: بيروت الشرقية وأقضية وبلدات: المتن الشمالي وبعبدا وجزين وزحلة وكسروان وجبيل والبترون والكورة وزغرتا وبشري ودير الأحمر ومرجعيون والقبيات.
لكن تحفظات "الجبهة اللبنانية" زالت بعد زيارة وفدها إلى قصر بعبدا وعودته بتطمينات من الرئيس سركيس، ففتحت المنطقة الشرقية مساء الثلثاء 9 تشرين الثاني 1976 وأزيلت الحواجز.
يقول مسعود خوند في "موسوعة الحرب اللبنانية" إن الأردن ساهم في إقناع "الجبهة اللبنانية" بالقبول بانتشار قوات الردع العربية.
اعتبارًا من الساعة 4 من بعد ظهر الثلثاء 9 تشرين الثاني 1976، بدأت جميع القوى والأحزاب الناشطة على مجمل الأراضي اللبنانية إصدار بيانات تدعو مقاتليها إلى عدم التجول بالسلاح وتسهيل مهمة قوات الردع العربية.
ليلاً أصدرت "الجبهة اللبنانية" نداءً إلى مقاتليها الذين سيخلعون بزات القتال ويتركون متاريسهم، عاهدتهم فيه أن يبقى ذكر الشهداء الأبطال الذين سقطوا ليبقى لبنان أمانة تقضي بالبقاء أوفياء للقيم والمثل التي افتدوها. وأعلنت أنها لن تكل عن العمل لطي مشروع الدويلات إلى غير رجعة، وحلّ مشكلة الفلسطينيين بشكلٍ جذريّ، وأن لا يبقى على أرض لبنان قوة غير لبنانية. وختمت نداءها بالإعلان عن استعدادها للتضحية من أجل إنجاح مسيرة الرئيس الياس سركيس لأن نجاحه نجاح للبنان.
وعشية بدء الانتشار، وجّه قائد قوات الردع العربية العقيد الركن اللبناني أحمد الحاج نداءً إلى اللبنانيين أعلن فيه بدء انتشار قوات الردع العربية، وأوضح فيه أن مهمة هذه القوات سحب جميع المسلحين إلى الأماكن التي كانوا فيها قبل 13 نيسان 1975، وإنهاء جميع المظاهر المسلحة وجمع الأسلحة الثقيلة وفتح الطرقات وعودة الحياة إلى طبيعتها، داعيًا الجميع للتعاون.
كان الرئيس الياس سركيس عيّن العقيد أحمد الحاج أحد أبرز الضباط الشهابيين قائدًا لقوات الردع العربية في 4 تشرين الثاني 1976، لكنه استقال مطلع شهر نيسان 1977 بعدما اكتشف أن قيادته تلك وهمية في ظل محاولة الضباط السوريين والاستخبارات العسكرية السورية الهيمنة على قوات الردع، وتوجيهها بأوامرهم هم. وسبق استقالته اعتكافه احتجاجًا على دهم جنود سوريين في "الردع" صحفًا لبنانية من دون معرفته المسبقة.
معظم القيادات اللبنانية رحبت بانتشار قوات الردع العربية، باستثناء العميد ريمون إده الذي ظل على رفضه الدخول العسكري السوري إلى لبنان. ففي تصريح أدلى به عشية محاولة اغتياله الثانية، أعلن أن الوجود السوري الكثيف يقلقه وعلى اللبنانيين تقرير مصيرهم، وأنه لن يحتفل هذا العام بعيد الاستقلال في ظل وجود جيش غريب محتل على الأراضي اللبنانية، كما أعلن الشيخ بشير الجميل وداني شمعون، رفضهما هذا الانتشار، وأعلن إتيان صقر "أبو أرز" قائد "حراس الأرز" رفضه المطلق للدخول السوري، واعتصم في جرود اللقلوق.
عادت "الجبهة اللبنانية" واستدعت الشيخ بشير الجميل وداني شمعون فأعلنا رضوخهما (على مضض) لقرار الجبهة القاضي بتسهيل مهمة قوات الردع العربية في المنطقة الشرقية.
أما أبو أرز فبقي على موقفه وبعد أيام زاره الشيخ بشير الجميل في اللقلوق متضامنًا.
اعتبارًا من فجر الأربعاء 10 تشرين الثاني 1976، بدأت القوات السورية العاملة ضمن نطاق قوات الردع العربية بالتجمع في محلة الدورة للبدء بالانتشار على طريق بيروت - طرابلس.
على خط آخر، بدأت الساعة 6 صباحًا الوحدات السورية العاملة ضمن نطاق قوات الردع العربية، التحرك الفعلي على طريق السلام الموعود، فباشرت فتح طريق بيروت - دمشق، حيث راحت القرى والبلدات تخلع ثياب القتال وتخرج لاستقبال قوافل قوات الردع العربية.
لكن الأيادي السوداء لم تشأ أن تستمر فرحة الشعب اللبناني، فرافق انتشار قوات الردع قصف عشوائي طاول معظم مناطق بيروت، خاصة منطقة الأسواق التجارية.
في اليوم التالي الخميس 11 تشرين الثاني، نجا العميد ريمون إده من محاولة اغتيال ثانية، تعرض لها أمام منزله في بيروت الغربية.
القصف العنيف الذي تعرضت له الخطوط المواجهة في الأسواق التجارية أخر انتشار قوات الردع العربية لعدة أيام، وبعد اتصالات واسعة محلية وعربية توقف القصف وتقرر استئناف الانتشار داخل شوارع وأحياء بيروت.
نهار الأحد 14 تشرين الثاني انعقد في مقر المفتي الشيخ حسن خالد في عرمون مؤتمر إسلامي موسع شاركت فيه مئة شخصية قيادية إسلامية، أعلن على أثره المفتي خالد "أننا اخترنا إرادة العيش السوي الطويل مع الجميع، ونحن مدعوون جميعًا إلى التخطيط لبناء الوطن الجديد الأفضل".
في نفس النهار شهدت منطقة ضهر العين - راس مسقا الفاصلة بين طرابلس ومنطقة الكورة معارك عنيفة بين القوات اللبنانية الموحدة والقوات المشتركة الفلسطينية واليسارية استمرت طوال النهار ووصلت القذائف إلى أماكن بعيدة نسبيًا عن خطوط الجبهة، وكادت هذه الاشتباكات غير المتوقعة أن توقف جميع مساعي التسوية خاصة في الشمال، لكن بعد اتصالات شارك فيها ضباط الارتباط في منطقة الشمال العسكرية وقيادة قوات الردع العربية في الشمال، توقفت ليلاً المعارك، ومع تباشير الصباح عادت الحالة إلى طبيعتها.
صباح الإثنين 15 تشرين الثاني بدأ التنفيذ الفعلي لانتشار قوات الردع العربية، فباشر 8000 جندي تدعمهم 250 دبابة وآلية عسكرية بالانتشار في شوارع بيروت والتمركز في 52 نقطة عسكرية، فيما غادر المسلحون متاريسهم وحواجزهم، وبدأت آليات وزارة الأشغال وبلدية بيروت إزالة المتاريس ورفع الدشم، وهجم الناس لتفقد بيوتهم ومتاجرهم.
ليلاً نام البيروتيون وأيديهم على قلوبهم، ولكن أتى الصباح ولم تسمع طلقة رصاص واحدة، لأول مرة منذ 13 نيسان 1975، فقد انطفأت نار الجبهات وسكتت مرابض المدفعية.
في اليوم التالي أصدرت الجبهة اللبنانية بياناً طلبت فيه من جميع المواطنين العودة إلى الحياة المدنية العادية، وقررت منع جميع المحازبين والمناصرين من التجول باللباس العسكري، ومنع الطلاب المقاتلين من الدخول إلى المدارس بلباسهم العسكري وسلاحهم وألزمتهم حلق ذقونهم. كما أعلنت أنها درست إكمال إجراءات إلحاق الموظفين والمعلمين بالدوائر والمدارس الرسمية في المنطقة الشرقية، خاصة الذين لم يعودوا قادرين على التوجه إلى المناطق التي كانوا فيها قبل الأحداث، وفيما خص طلاب الجامعة اللبنانية عاهدتهم على السعي لإنجاز فتح الفروع الثانية في المنطقة الشرقية.
صباح الأربعاء 17 تشرين الثاني، بدأت المرحلة الثالثة من انتشار قوات الردع العربية التي تشمل مناطق الشمال باستثناء منطقة عكار التي وضعت ضمن خطة المرحلة الرابعة.
فمن محلة الدورة انطلقت نحو الساعة 6 صباحًا قافلة كبيرة من الوحدات السورية التابعة لقوات الردع العربية ضمت عشرات الآليات والشاحنات ووجهتها مدينة طرابلس، فعبرت النفق ووصلت إلى كازينو لبنان حيث تم تركيز نقطة ثابتة، وأكملت طريقها.
قرابة الساعة 9 صباحًا وصلت القافلة السورية إلى مبنى إذاعة عمشيت حيث بدأت التمركز في محيطها، وعقد اجتماع في مبنى الإذاعة ضم مدير عام وزارة الإعلام رامز الخازن، وقائد الكتيبة السورية المقدم ممدوح عواد، وضابط المخابرات السورية الرائد ابراهيم الحويجي، ورئيس إقليم جبيل الكتائبي غيث خوري، وعددًا من ضباط الارتباط في الجيش اللبناني ومسؤولي "القوات اللبنانية" الموحدة، حيث اتفق على إزالة جميع المظاهر المسلحة وتكليف قوات الردع العربية بتوقيف أي مسلح.
بعد انتهاء الاجتماع خرج أحد الضباط السوريين وتحدث مع الصحافيين قائلاً: نعتبر أنفسنا في منطقة صديقة، وإذا صح القول فإن وجودنا هنا رمزي، الغايةُ منه المحافظة على المؤسسات العامة وحمايتها وتأمين حرية السير والتنقل على الطريق الدولي.
لإنجاح خطوة انتشار قوات الردع العربية في الشمال، تكثفت الاتصالات قبل بدء المرحلة الجديدة من الخطة الأمنية، وشهد قصر بعبدا عدة لقاءات لتذليل كل العقبات، فزار القصر الجمهوري وفد القيادة الزغرتاوية وضم النواب: الأب سمعان الدويهي ورينيه معوض وطوني فرنجية والسيدان سليم كرم وسيمون بولس والتقوا الرئيس سركيس والعقيد أحمد الحاج، وتم التباحث في المواقع التي ستتمركز فيها قوات الردع العربية، وكان إصرار من القيادة الزغرتاوية على تسلم مدرسة الكرملية من القوات الفلسطينية قبل بدء الانتشار.
بعد اللقاء صرّح النائب رينيه معوض باسم الوفد قائلًا: ستدخل قوات الردع العربية إلى الشمال، وتنتشر فيه، وكلنا ندعم هذه الخطوة، وكل ما نتمناه هو تطبيق خطة السلام بحذافيرها، حتى تبدأ مرحلة العمران في وقت قريب إن شاء الله.
كما زار القصر الجمهوري معظم نواب وقيادات الشمال، وشهد اجتماعات خصصت لدرس تسهيل مهمة قوات الردع العربية في الشمال، ومرحلة ما بعد انتشارها، وتهيئة الأجواء المريحة بين الأهالي، خاصة في ظل إمكانية عودة المهجرين إلى قراهم وبلداتهم، كان أبرزها اجتماعان ترأسهما الرئيس الياس سركيس بمشاركة عدد من ضباط الجيش اللبناني المكلفين متابعة انتشار قوات الردع العربية في الشمال.
ضم الاجتماع الأول نواب وقيادات مناطق: البترون، الكورة، زغرتا، بشري ودير الأحمر. خرج بعده النائب السابق قبلان عيسى الخوري ليعلن باسم المجتمعين ترحيبهم بالسلام الآتي ووضع كل الإمكانيات بتصرف الرئيس الياس سركيس.
وشارك في الاجتماع الثاني نواب وقيادات من: طرابلس، المنية، الضنية وعكار خرج بعده النائب طلال المرعبي ليعلن ترحيب المجتمعين بالخطوات المقررة في الشمال، مناشدًا الجميع نسيان المرحلة السابقة والعمل معًا لإعادة بناء ما تهدم، وأعلن أن انتشار قوات الردع العربية سيشمل تباعًا كل الشمال ولا صحة للإشاعات التي تقول إن منطقة عكار ستبقى خارج هذا الانتشار، وطلب من المهجرين الاستعداد للعودة إلى منازلهم وقراهم، بضمانة القوى الشرعية.
وأصدر رئيس الحزب "السوري القومي الاجتماعي" إنعام رعد بيانًا أعلن فيه التزام الحزب بقرار إنهاء القتال وتأييد مسيرة السلام.
كما زار القصرَ الجمهوري وفدٌ من مجلس المطارنة الموارنة ضم المطارنة: نصر الله صفير، أغناطيوس زيادة، وابراهيم الحلو نقلوا إلى رئيس الجمهورية دعم البطريركية المارونية والدعاء له بالتوفيق.
وزار قصر بعبدا وفد التجمع الإسلامي الذي ضم النائبين جميل كبي وزكي مزبودي والوزير السابق مالك سلام والأستاذ شفيق الوزان والتقوا الرئيس سركيس الذي أطلعهم على مراحل انتشار قوات الردع العربية، خرج بعدها الأستاذ شفيق الوزان ليعلن باسم التجمع الإسلامي أنهم مطمئنون للمرحلة القادمة ولا يخشون على الجنوب.
وتلقى الرئيس سركيس اتصالًا من الزعيم كمال جنبلاط عرضا خلاله المرحلة الثالثة من انتشار قوات الردع العربية، وأصرّ رئيس "الحركة الوطنية" على أن تشمل جميع المناطق اللبنانية دون تمييز بين منطقة وأخرى.
ولإنهاء ذيول الحرب قبل بدء مرحلة السلام، بارك البطريرك خريش المصالحة بين عائلات زغرتا وبشري، فشهدت بكركي نهار الخميس 18 تشرين الثاني لقاء ضم الرئيسين كميل شمعون وسليمان فرنجية، والشيخ بيار الجميل وعددًا من المطارنة والآباتي شربل قسيس ونواب: البترون، الكورة، زغرتا، بشري، ودير الأحمر وزعماء عائلات بشري وزغرتا، حيث وقع الزعماء على وثيقة شرف تنهي جميع الإشكالات السابقة.
كما التقى في اليوم ذاته في فندق ملكارت في بيروت الغربية قائد قوات الردع العربية العقيد أحمد الحاج يرافقه العقيد نبيل قريطم وفدًا من منظمة التحرير الفلسطينية ضم: أبو الوليد والرائد يوسف والحاج اسماعيل نائب قائد قوات القسطل التابعة لحركة فتح وضعت خلاله اللمسات الأخيرة على المرحلة الثالثة من انتشار قوات الردع العربية.
رحب المواطنون بالأمن الآتي وبدأت عودة الحياة الطبيعية، ونهار الجمعة 19 تشرين الثاني استقبل مطار بيروت أول طائرة حطت فيه بعد أشهر من توقف العمل.