المحامي محمد آصف ناصر

تركنا معادننا عند الباب

4 دقائق للقراءة

قال الإمام جعفر الصادق (ع) "إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء"، فلم يرضَ العام 2025 إلا وأن يثلمنا بثلمتين لا يسد فراغهما شيء ولا يعوضهما أحد: شيخ الإنسانية الشهيد العامل الشيخ شعبان منصور، واليوم شيخ المحبة والسلام في جبل السلام جبل محسن الشيخ محفوظ سلوم (أبو حيدر).

لا تخلو زاوية من زوايا جبل محسن اليوم والبارحة من دمعة، ولا تجد قلبا لم تحرقه لوعة الفراق، الشيخ أبو حيدر محفوظ الزاهد المتنسك العابد قال للدنيا إليك عني مقتديا بإمامه، وما زال يعاندها ويرفض زبرجها والعلو في الأرض إلى أن انتصرت روحه على المادة وتجاوزت برزخ الحيرة إلى يقين التجلي.

من يعرف حارات جبل محسن يعرف عمن أتكلم، وبمن اشيد، عن التواضع المعجون بالأنفة، السماحة المسكوبة بالحِلم المحبة المتنقلة على أقدام الزهد. عن أبي حيدر أتحدث، عن روح القداسة المتجسدة في جسم أنهكته العزيمة وقهر نوازعه الإيمان فداس على مغريات الدنيا واكتفى بما يجود عليه به عمله من رزق كفاف ناثرا المحبة متعاليًا على الخلافات، فكان مقصد الجميع ولم يقصد أحدًا ولم يقف على عتبة سلطان ولم يتوخَ رضى نافذ.

عمي أبو حيدر كما يشير إليه شيبنا وشباننا عالم من علمائنا جوهرة الجبل إحدى عقد الوصل في سبحة البخور المتواصلة من أبي ذر الغفاري إلى فاذويه الكردي إلى محمد بن جندب ومنتجب الدين العاني وحسن بن المكزون السنجاري وابن معمار الصوفي، والحسن بن حمزة الشيرازي والشيخ مسلم البيضا والشيخ معلا ربيع والعلامة الشيخ سليمان أحمد والشيخ المجاهد صالح العلي قدس الله أرواحهم أجمعين.

في سلسلة القداسة والتقى والزهد، والعمل الصالح وتحت شجرة الأكاسيا يقام هيكل المحبة وهنا نتعالى على الجراح وعلى الخلافات فنسبح في فضاءات المحبة، ألسنا أتباع القائل: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعينكم فإن أحببتم من أحبكم فأي فضل لكم؟

اليوم في بحر المحبة والالتزام الأخوي، وقد انثال الناس من كل جانب في انتظام فطري وتعاون محمدي، يؤدون الاحترام في وداع الجسد الطاهر، على أمل اللقاء المتجدد مع روح المحبة الجامعة. على عتبة هيكل المحبة الحي، تركنا معادننا عند باب الهيكل نرجو أن نغرف من نور الحسين بن حمدان الخصيبي غَرفة يقين، فكان اليقين بحرًا من الناس تكاتفت أيديهم في بوتقة واحدة تجمعنا، بوتقة العرفان والإنسانية والرقي.

لا يمكن لأي جهة أو أي حزب أو فريق أن يتمكن من ضبط ما يزيد عن خمسة عشر ألف مشيع في رقعة جغرافية ضيقة، لا يمكن حتى للقوى الأمنية أن تفرض النظام في هكذا حشد، ومع ذلك كان الانضباط والنظام سيد الموقف، كانت روح اليقين العلوي فارضة حضورها وجميعنا في حضرة وداع الجسد الأخير ملتزمين قواعد أبي سعيد الميمون بن القاسم الطبراني فكان مشهدا إعجازيا يعكس قوة الايمان وعمق اليقين.

مشهد الوداع اليوم، تجاوز الألم إلى القداسة، فكان رسالة واضحة قوية تعلن انتصار الروح على نوازع المادة والايمان على الشك والصالح على المصالح.

يا أبي حيدر، يا سيدنا أودعنا اليوم أمانتك التراب، تراب هذه الأرض الذي سبقك إليه الأقدمون والمقدسون، فلحقت بأثرهم وجاهدت فيما جاهدوا وارتقيت إلى حيث ارتقوا. هذه الأرض العابقة بالقداسة، وقف الله، وإليها ننتمي كيف لا وقد زرعنا فيها اليوم أمانتنا الأقدس وعلى بعد أمتار منها ثرى أخي حسان وجدي محمد، وسلسلة طويلة من المؤمنين عاشوا في هذه الأرض أحيت المحبة قلوبهم التي عمرت بالإنسانية والتزمت أمر أمير المؤمنين حين قال إن الناس "صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه".

كنت يا عمي أبو حيدر تجسيد المحبة والعرفان وفي كل خطوة كنت تسيرها كنت تجسد صلاة المؤمنين: أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، لا تدخلنا في التجارب، لكنا نجنا من الشرير لأن لك الملك والقوة والمجد إلى أبد الآبدين آمين. فكنت النفس المطمئنة التي خاطبها الله عز وجل: ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي.